إساءة استعمال الشخصية الاعتبارية للشركة وأثرها على مسؤولية الشركاء
تاريخ النشر: 22/06/2026
الناشر: دار الثقافة للنشر والتوزيع
مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوعين
نبذة الناشر:تُعدُ الشركاتُ التجاريةُ في العصرِ الحديثِ من أهمِ عواملِ التقدمِ في الدولِ، بما تقوم به من دور في النهوض بالاقتصاد الوطني ككلٍ، ورفده بوسائل الإنتاجِ، الأمرُ الذي يقتضي من الدولِ أنْ تطورَ تشريعاتها بما يعززُ هذا الدورَ، وذلك من خلالِ تنظيمِ قوانينِ الشركاتِ على نحوٍ يوفرُ الحمايةَ لهيئاتِ الإدارةِ في ...هذه الشركاتِ؛ للإقدامِ على الدخول في المشروعاتِ التجاريةِ دونَ خوفٍ من المسؤوليةِ التي تعد نتيجةً طبيعيةً لمخاطر الأعمال، واستجابةً لهذه المتطلباتِ فقد تمخضتِ التطوراتُ القانونيةُ في مجال الشركاتِ عن الاعتراف للشركةِ بالشخصيةِ المستقلةِ، هذا الاعترافُ الذي جاءَ نتيجةَ جهودٍ فقهيةٍ وقضائيةٍ مضنيةٍ تكللتْ بما يعرف بمبدأِ الفصلِ بينَ شخصيةِ الشركةِ، وبين شخصية الشركاء، وما يستتبعُ ذلك من آثارٍ قانونيةٍ على غايةٍ من الأهميةِ في تحقيقِ هذا المبدأ. فقد أصبحتِ الشركةُ في المفهومِ القانونيِ والاقتصاديِ الحديثِ تتمتعُ بالعديد من الخصائصِ الأساسية التي تميز عقد الشركة عن غيره من العقود بما يترتب عليه من شخصٍ قانونيٍ مستقلٍ عن أشخاص مكونيه من الشركاء، وهذه الخصائص الهيكلية للشركة تتمثل: بالشخصية الاعتبارية المستقلة، والمسؤولية المحدودة للشركاء والمساهمين، والخلافة الدائمة أي استمرارية شخصيتها في الوجود القانوني بصرف النظر عمّا يطرأ على أِشخاصِ الشركاء من تغييرٍ بحسب الأصل. وتمتعُ الشركةِ بالشخصيةِ المستقلةِ يجعلها بمثابةِ حلقةِ وصلٍ للعقودِ، فهي تدخلَ بشكلٍ أساسيٍ، كطرفٍ مقابلٍ مشتركٍ ومختلفٍ عن الأفرادِ الذينَ يمتلكونه أو يديرونه في العديدِ من العقودِ مع الموردين والموظفين والعملاء، وتقوم بتنسيق تصرفاتِ هؤلاءِ الأشخاصِ المتعددين، من خلالِ ممارسةِ حقوقها التعاقديةِ؛ مما يعززُ قدرةَ هؤلاءِ الأفرادِ على الدخولِ معًا في مشاريعَ مشتركةٍ.
وتُعدُ الذمةُ الماليةُ المستقلةُ هي العنصرُ الأساسيُ للشركةِ كحلقةِ وصلٍ للعقودِ؛ والتي تنطوي على تخصيصِ مجموعةٍ من الأصولِ التي تختلف عن الأصولِ الأخرى، المملوكةِ للشركاءِ أو المساهمينَ منفردينَ أو مجتمعين. وهذا الانفصالُ في شخصيةِ الشركةِ وذمتها الماليةِ، يرسمُ خطًا وستارًا أو شاشةً بين الشريكِ والشركةِ، كحجاب يحجب الشركاء من الظهور على الساحةِ القانونيةِ، ويجعلُ كلاً من الشركاءِ والشركةِ بمنأى عن تحملِ الالتزاماتِ الشخصيةِ للآخر، وذلك ضمن السياق العاديِ للأمورِ.
هذه التوأمةُ الفريدةُ بين الشخصيةِ القانونيةِ المستقلةِ للشركةِ والمسؤوليةِ المحدودةِ للشركاءِ، تُظهرُ مدى ارتباطِ الشكلِ القانونيِ للشركةِ بفكرة المسؤوليةِ المحدودةِ، فشكل أو نموذج الشركة يلعب دورًا في الحدِ من مسؤولية المساهمين أو الشركاءِ، ليس هذا فحسب بل تسهمُ أيضًا في حمايةِ الشركةِ من تعدي الشركاءِ على حقوقها كشخصٍ مستقلٍ أو استغلال شكلها وما يوفره من حمايةٍ من جانب المتنفذين والمطلعين على بواطن الأمور فيها؛ لتحقيق مآربهم وامتيازاتهم الخاصةِ التي يصعب لهم تحقيقها إلا من خلال هيكل الشركة، كما يوفرُ حمايةً لحقوق دائنيها في مواجهةِ الانتهاكاتِ المرتكبة من الشركاءِ المستترين تحت عباءَتها.
وفي إطارِ الحديثِ عن الحمايةِ التي يوفرها شكلُ أو نموذجُ الشركةِ بكافة أشكالها سواءَ للشركة، أم للشركاء، أم للغير، فلا بد لنا من تناول جوانب هذا الموضوع باستفاضةٍ، وتناول مدى تحقق الحماية التي يوفرها حجاب الشركة في ظلِ ما يعرف بالغشِ والتعسفِ في استعمالِ شخصيتها الاعتبارية، وذلك من خلال تناول هذا الموضوعِ بالمقارنةِ بينَ نظامين قانونيين يمثلان طرفي نقيضٍ، وهما نظام بلدان القانون المدني والمتمثل بالقانون الأردني والقانون الفرنسي ذوا الأصل اللاتيني، ونظام بلدانِ القانونِ العامِ أي السوابق القضائية والمتمثل في النظام القانوني الأنجلو أمريكي.
والحقيقة أنَّ موضوع الدراسةِ لا يكتملُ دون هذه المقارنة فالنظامُ الأنجلو أمريكي فضلاً عمّا يوفره للقاضي من دورِ المشرعِ الافتراضيِ الذي يُعملُ التفكيرَ النقديَ في الواقعةِ المعروضةِ عليه يعتبر مهد مبدأ الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة، ولمَّا كان نظامُ القانونِ المدنيِ الذي يمثله القانونان الأردني والفرنسي، واللذان تصلُ فيهما الأحكامُ القانونيةُ الناظمةِ للشركاتِ حدَ التطابقِ في كثيرٍ من الأحيانِ؛ فقد آثرناَ في جميع فصولِ هذه الكتاب تناولهما معًا لوحدةِ الأحكام بينهما في مقابل وحدةٍ الأحكام إلى حدٍ كبيرٍ بين نظيريهما القانونُ الإنجليزي والأمريكيُ.
وتنبع مشكلة الدراسة من فكرة أنَّ المشرع الأردني وإنْ لم يستخدم مصطلحات حجاب الشركة والغش والتعسف في استعمال شخصيتها الاعتبارية صراحةً في القانون المدني أو قانون الشركات؛ إلا أنَّه يعتنق مبدأ الفصل الصارم بين شخصية الشركة وذمتها المالية وشخصيات وذمم الشركاء فيها أي الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة التي تعتبر الأساس لمبدأ الحجاب؛ وما يستتبع ذلك من فصل في المسؤولية عن ديون والتزامات كل منهما تبعًا لدرجة الحماية التي يوفرها امتياز المسؤولية المحدودة للشركاء في أشكال الشركات المختلفة.
كما أنَّ المشرع الأردني يخرج على مبدأ الحماية التي يوفرها حجاب التأسيس ودرع المسؤولية المحدودة للشركاء في الحالات التي لا يحترم فيها الشركاء لا سيما المسيطرين في الشركة مبدأ الفصل هذا، وذلك من خلال الغش والتعسف في استعمال المزايا التي يوفرها شكل الشركة وامتياز المسؤولية المحدودة، ويقرر تجاهل هذا الحجاب برفعه وثقبه للوصول إلى الشركاء وتحميلهم المسؤولية عن ديون والتزامات الشركة.
ومن هذا المنطلق تتمثل مشكلة هذه الدراسة في القصور والنقص التشريعي في التنظيم القانوني للتطبيقات التشريعية والقضائية لمبدأ تجاهل حجاب الشركة ودرع المسؤولية المحدودة في القانون الأردني بالمقارنة بنظرائه من القوانين محل المقارنة. على ضوء مشكلة الدراسة يُثار سؤالٌ رئيسٌ، وهو ما مدى قدرة الشركاء على الاحتجاج بحماية حجاب الشركة ودرع المسؤولية المحدودة عندما تُتخذُ شخصيتها المستقلةُ وسيلةً للغش والتعسف وإلحاق الضررِ بالغيرِ؟
وتنطوي هذه الدراسة على أهمية نظريةٍ وعمليةٍ تطبيقية، أما الأهميةُ النظرية لهذه الدراسةِ فتتمثلُ في تناولها لموضوع الغش والتعسف في استعمال شخصية الشركة من خلال الحماية التي يوفرها حجابها كمصطلحاتٍ غريبةٍ على القانونِ والفقهِ والقضاءِ الأردنيِ رغم تجذر أصولها في التشريعاتِ الأردنية المتعلقةِ بالشركاتِ على خلاف القوانينِ المقارنةِ التي ناقشته وتعاملت معه منذ أواخرِ القرنِ التاسعِ عشرِ. من هنا تبرز الأهمية النظرية لهذه الدراسة في إظهار جوانب الوفاق والتقارب وجوانب التنافر بين القانون الأردني والقوانين محل المقارنة، ومحاولة تلافي القصور التشريعي في بعض الجوانب المتعلقة بهذا المفهوم مما يحققُ إثراءً في المجال القانوني، ومحاولةً لتحقيقِ التناغمِ بين القانونِ الأردني والتشريعاتِ المقارنةِ يمكن الاعتماد عليها عند أول تعديلٍ للقانونِ الأردني.
أما الأهمية العملية (التطبيقية) لهذه الدراسة فتتمثل في معالجتها وتناولها لمشكلة الدراسة وأسئلتها من خلال تناول موقفِ الفقهِ والقضاءِ المقارنِ منها، والذي يتمتعُ بثراءٍ عظيمٍ في هذا الموضوع؛ لتكون هديًا للمهتمين بهذا الحقل من القانون، لا سيما الفقه والقضاء الأردني بأسلوبٍ تحليلي ناقد يقدم وقائعَ تطبيقيةٍ وعمليةٍ يمكن الاسترشادُ بها والبناء عليها. إقرأ المزيد