لقد تمت الاضافة بنجاح
تعديل العربة إتمام عملية الشراء
×
كتب ورقية
كتب الكترونية
كتب صوتية
أطفال وناشئة
وسائل تعليمية الصحة والعناية الشخصية جديد المطبخ والسفرة جديد
كل الأقسام
شحن مجاني
اشتراكات
بحث متقدم
نيل وفرات
حسابك لائحة الأمنيات عربة التسوق نشرة الإصدارات
0

فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي


فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي
33.25$
35.00$
%5
الكمية:
فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي
تاريخ النشر: 22/06/2026
الناشر: دار الثقافة للنشر والتوزيع
النوع: ورقي غلاف عادي
مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوعين
نبذة الناشر:المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. يعتبر التشريع الإسلامي من التشريعات العالمية الأساسية المعترف بها دولياً، وكيف لا يكون كذلك وهو قد حكم جزءاً كبيراً من العالم لقرون عديدة، فوق أنه ما يزال حتى أيامنا هذه مصدراً ...مادياً لبعض فروع القانون في العديد من الدول العربية والإسلامية، ومصدراً رسمياً للتشريع ـ بصرف النظر عن مرتبته ـ في العديد من دساتير هذه الدول، هذا بالإضافة إلى تأثيره البالغ على الفكر القانوني العالمي ككل وإثرائه له عبر تاريخه الطويل، لذلك كانت قيمة البحث في هذا التشريع غير مقتصرة على الناحية التاريخية بل تتعداها إلى الزاوية العملية أيضاً.
لكننا اليوم في العالم الإسلامي حيث نستورد كل شيء من المجتمعات الغربية بدءاً من حبة القمح وانتهاءً بالقاعدة القانونية، فإن بعض المخدوعين ينظر إلى هذا التشريع الإسلامي على أنه دلالة تأخر وتخلف ونكوص إلى الوراء، مطلقين أحكامهم المسبقة هذه دون روية ولا تمحيص، ذلك أنهم سمعوا في الغرب من يردد هذه المقولة فانطلقوا خلفهم يرددون ما يرددون، دون أن يفطنوا إلى عملية الاستلاب التشريعي التي يمارسها الغرب علينا والتي من شأنها تكريس تبعيتنا له في مجال التشريع وغيره، منعاً لنا من تكوين شخصيتنا القانونية المستقلة التي هي دلالة أكيدة على استقلالنا وتحررنا من كل لون من ألوان الاستعمار، ولربما تكون الحجة الأولى التي يطلقها الغرب، هي كيف يتأتى لنا أن نطبق تشريعاً تنزل في الماضي السحيق على مجتمع بدوي متخلف، ونحن اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا المتقدمة والمذاهب السياسية والقانونية الراقية، متناسين أن هذا التشريع نفسه قد حمله الآباء والأجداد ـ الفاتحون معهم إلى البلاد المفتوحة التي كانت تشكل أكثر من نصف العالم القديم، حيث تشابكت العلاقات وتعقدت وحيث كان على هذا التشريع أن يواجه مجتمعات متباينة وعادات متنوعة، زخرت بها الدولة الإسلامية، فما ونى هذا التشريع ولا قصر عن تقديم الحلول القانونية الرفيعة لكل ما استجد من حاجات وما برز من علاقات، وفي إطار هذا التشريع نمت الحضارة الإسلامية العظيمة وازدهرت، وتسارع نمو المجتمع الإسلامي آنذاك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، فكان هذا التشريع مصدر تنشيط لكل ذلك بما حواه من عناصر إيجابية خلاقة لا مصدر إعاقة وإحباط، ذلك أن التشريع الإسلامي وإن اشتمل على الكتاب والسنّة حيث النصوص ثابتة غير قابلة للنسخ والتعديل، إلا أن معظم هذه النصوص هي نصوص عامة ظنية الدلالة ومن نوع القواعد العامة والمبادئ الكلية مما يتيح للعقل مجالاً واسعاً للعمل في إطار التشريع عن طريق الاجتهاد حتى في إطار النص، فإن لم يكن هناك نص في مسألة مستجدة، فإن الشرع الحنيف يمدّ الفقيه المجتهد بمجموعة من الأمارات والدلالات والمناهج العقلية تعينه على تلمس الحل التشريعي المناسب بما يتلاءم وروح الشرع وبما لا يعيق تطور المجتمع الإنساني نفسه، هذا بالإضافة إلى أن أحكام التشريع المنصوص عليها هي أحكام عقلانية وتنطوي أيضاً على الحفاظ على مصالح الأفراد والمجتمع المتمثلة في جلب المنافع ودفع المضار، بحيث لو أن هذه الأحكام عرضت على العقول السليمة لتلقتها بالقبول والتسليم، فهي كما يقول ابن القيم: «عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها» ويكفي للتدليل على ذلك أن يقول الشارع الحكيم في ختام تشريعه (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) [الأنعام: 115]، دلالة على أن جماع هذا التشريع هو العدل الذي أمر به الرب ونزلت به الرسل واتفقت حوله العقول والقوانين المتجرّدة من الزيغ والهوى.
كما أن القول بعدم ملاءمة الشرع الحنيف لأحوال عصرنا وحاجاته فيه إغفال وتجاهل. بل وتنكر لعلمائنا الأوائل الذين انبثقت قرائحهم عن نظريات قانونية إسلامية تضاهي وتتفوق على أرقى النظريات القانونية المعروفة في الحضارة الغربية، ويكفي للتدليل على ذلك الاستشهاد بنظرية المعتزلة في التقبيح والتحسين العقليين التي تتفوق على نظرية القانون الطبيعي في الفكر القانوني الغربي أم في نظرية الأشاعرة في التقبيح والتحسين الشرعيين والتي هي أرقى من النظرية الشكلية في إطار القانون الوضعي، وفي كل ذلك دلالة على عظم التفكير القانوني الإسلامي يوم كان التشريع الإسلامي مطبقاً واقعاً وعملاً في ماضي هذه الأمة، بل إن القول بعدم صلاحية التشريع الإسلامي في عصرنا يعني عدم معرفتنا بهذا التشريع وجهلنا له، لأنه لو تعمقنا فيه لانكشف لنا أن هذا التشريع يحمل بذور نموه وتطوره وصلاحيته عبر الزمان والمكان عن طريق الثقة بالعقل الإنساني المتربي على تعاليمه، وذلك بأنه نصب الأمارات والدلالات والمناهج لهذا العقل بما يضمن تقديم الحل القانوني لأي مسألة مستجدة وبما يحقق التوازن بين حق الشرع في أن يصان ويحفظ وبين حق المجتمع في أن ينمو ويتطور، وهكذا فإن الهدف من هذه الدراسة هو لبيان فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي من خلال دراسة وتحليل تلك الأمارات والدلالات والمناهج العقلية وصولاً إلى تحقيق غرضنا في بيان مدى دور العقل ونطاق سلطانه في إطار التشريع الإسلامي، دونما إغفال لإجراء الدراسات المقارنة الضرورية في هذا المجال مع النظريات القانونية الوضعية السائدة في التفكير القانوني الغربي.
وبناءً عليه فإن العقل هو دليل معترف به في الفقه الإسلامي لكنه ليس دليلاً منفلتاً متجرداً من ضوابط الفطرة والطبيعة الإنسانية كما هو الأمر في المجتمعات الغربية ـ بل هو في الفقه الإسلامي دليل منضبط محكوم بتلك المبادئ الكلية والقواعد العامة التي نصبها الله سبحانه في كتابه وسنّة رسوله، وهكذا فالعقل الذي يحق له الاجتهاد في الفقه الإسلامي هو العقل المتربى على شريعة الله المجرد من الهوى والزيع والضلالة. والسؤال بعد ذلك هو، لماذا الاجتهاد مع أن أحكام الله سبحانه وتعالى موجودة في الكتاب والسنّة، ونحن نقول جواباً على ذلك: نحن نؤمن يقيناً أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون إلى يوم القيامة، وأن الله سبحانه وتعالى بعلمه وقدرته قادر على أن ينزل شريعة شاملة تضع حلاً دقيقاً لكل مسألة من مسائل الحياة البشرية عبر الزمان والمكان سواء أكانت حادثة عند تنزل التشريع أو بعده، ولكن ذلك نتيجته ستكون الحجر على العقل البشري وتجميده وتعطيله في حين أن مشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضت تحرير العقل البشري وإعطاءه مساحة واسعة للتفكير والتأمل والاستنباط، ولذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية كتاباً وسنّة، وهي تتضمن خارطة اجتهادية للفقيه المجتهد إذا اتبعها واهتدى بهديها، فإنه سيجد الحل الشرعي للمسألة التي يعالجها، فإن اختلفت العقول في ذلك فالسلطة المؤمنة الحاكمة هي التي ترجح حلاً على آخر. وتبياناً لذلك فإننا إذا ما نظرنا نظرة سريعة إلى تاريخ الفقه الإسلامي وكيفية تطبيقه، في الدولة الإسلامية فإننا نجد أن الدولة الإسلامية في كل مراحلها وتنوعها قد اعتمدت على الفقه الإسلامي في قوانينها وتشريعاتها، فكان هناك الفقهاء والذين هم غالباً مستقلون وكانت هناك مؤسسة القضاء، وكانت الدولة الإسلامية غالباً تحترم مبدأ استقلال القضاء، لكن المشكلة بدأت عندما تعددت المذاهب الفقهية وبالتالي اختلفت الآراء الفقهية في الكثير من المسائل المنصوصة وغير المنصوصة، مما أدى طبقاً لذلك إلى اختلاف أحكام المحاكم في المسألة الواحدة، وهذه مسألة خطيرة لأنها قد تؤدي إلى عدم الثقة بأحكام القضاء من قبل عامة الشعب.
لقد انتبه الخليفة هارون الرشيد إلى هذه المسألة فاستحدث بناءً على ذلك منصب قاضي القضاة وذلك لأجل توحيد أحكام المحاكم وكان أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة هو أول من تقلّد هذا المنصب، ومن ذلك التاريخ أصبح المذهب الحنفي هو المذهب الملزم للقضاة في الدولة العباسية أي أصبح بالمفهوم المعاصر هو القانون الواجب التطبيق.
غير أنه مع تفكك الدولة الإسلامية لاحقاً، فقد تعددت المذاهب الملزمة للقضاة بتعدد الدول الإسلامية وميول شعوبها وحكامها، وبناءً عليه كان المذهب المالكي هو القانون المطبق في الدولة الأندلسية وفي دول المغرب العربي، والمذهب الشافعي هو القانون المطبق في الدولة الأيوبية، والمذهب الاثني عشري، هو المذهب المطبق في الدول الإسلامية الشيعية، وأما في الدولة العثمانية التركية، فإنها في معظم عهدها جعلت القانون المطبق فيها هو المذهب الحنفي، غير أنها فيما بعد خرجت على هذا المنهج واقتبست جميع قوانينها من القوانين الأوروبية، (وذلك باستثناء القانون المدني ممثلاً بمجلة الأحكام العدلية والأحوال الشخصية واللذين بقيا مستندين إلى المذهب الحنفي)، وبذلك فقد سنّت تلك الدولة سنّة سيئة في الإسلام، وقد اتبعت معظم الدول العربية والإسلامية المعاصرة تلك السنّة السيئة التي سنّتها الدولة العثمانية.
وهكذا فإننا نجد أن النظام القانوني الإسلامي إن صح التعبير ـ يقسم إلى ثلاثة أقسام: أولها: الشريعة الثابتة المتمثلة بالكتاب والسنة، وهذه ثابتة ولا يجري عليها أي تعديل أو تحوير أو إلغاء. وثانيها: هو الفقه الإسلامي والمتمثل باجتهادات الفقهاء سواء في إطار النص أو فيما لا نص فيه، وهذا الفقه هو ثمرة تطبيق النصوص الشرعية والقواعد الكلية الثابتة على الواقع الاجتماعي، وبما أن هذا الواقع متغير، فإن هذا الفقه يكون متغيراً كقاعدة عامة، (وذلك باستثناء بعض الأحكام الجزئية، وذلك كقواعد الميراث)، وهكذا فقد وضع الفقهاء القاعدة الشهيرة والتي هي (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان).
أما ثالثها: فهو القانون الإسلامي، وذلك أنه وطبقاً لتنوع وتغيّر البيئات الاجتماعية عبر الزمان والمكان وتبعاً لتنوع أفهام الفقهاء المجتهدين والاختلاف في المناهج الاجتهادية التي يستندون إليها بين مذهب وآخر، فقد اختلفت الاجتهادات الفقهية في المسألة الواحدة، فكان لا بد من فقه ملزم لتوحيد الأحكام القضائية، وهكذا فقد نشأ في التاريخ الإسلامي ما يمكن تسميته بالاصطلاح المعاصر بالقانون الملزم للقضاء، والمتمثل بالمذهب الفقهي الذي تتبناه هذه الدولة الإسلامية أو تلك، كما أشرنا إليه آنفاً. وبناءً على كل ذلك فإنه في الدولة الإسلامية الحديثة التي تتبنى الشريعة الإسلامية وما ينبثق عنها من فقه، وحيث إنه قد استقر مبدأ فصل السلطات في النظام الدستوري المعاصر، فإن من واجب السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية وهي تسن القوانين، أن تختار من الفقه الإسلامي القديم والمعاصر، ما تراه أكثر ملاءمة لظروف المجتمع في هذا العصر، وما تختاره يكون هو القانون الإسلامي لتلك الدولة، وذلك برأينا دون التقيد بمذهب معين، وذلك لأن الفقه الإسلامي جميعه هو فقه إسلامي خالص، انبثق عن عقول كبيرة، متربية على شريعة الله، وذلك بصرف النظر عن المذهب الفقهي الذي تنتمي إليه تلك العقول.
وأخيراً وتأسيساً على كل ما سبق، وحيث إن الاجتهاد الإسلامي يعمل في دائرة النص متمثلاً بتلك القواعد التفسيرية الراقية التي اهتدى إليها المجتهدون، ويعمل أيضاً في غير دائرة النص مستنداً إلى تلك المناهج العقلية التي استنبطوها مستندين في ذلك إلى الأمارات والدلالات التي نصبها المشرع الحكم رب العالمين في كتابه وسنّة رسوله كمنارات للعقل المجتهد يهتدي بها في اجتهاده، والتي اتفق جمهور الفقهاء على بعضها بينما اختلفوا على بعضها الآخر، أما التي اتفقوا عليها فهي، تنحصر في الإجماع والقياس وتشريع أولي الأمر وأما التي اختلفوا بشأنها فيمكن حصرها في الاستحسان والعُرف والمصالح المرسلة والاستصحاب، ثم إنه لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن فصل الاجتهاد في غير دائرة النص عن الاجتهاد في دائرة النص، بل هما وحدة واحدة، تجمعهما فلسفة اجتهادية واحدة.
وبناءً على ذلك فإن دراستنا هذه تقسم إلى الفلسفة العامة للاجتهاد في الفقه الإسلامي، ثم فلسفة الاجتهاد في دائرة النص، وأخيراً فلسفة الاجتهاد فيما لا نص فيه، وكل ذلك إنما يكون بالمقارنة الضرورية مع فلسفة القانون في القانون الوضعي.

إقرأ المزيد
فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي
فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي

تاريخ النشر: 22/06/2026
الناشر: دار الثقافة للنشر والتوزيع
النوع: ورقي غلاف عادي
مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوعين
نبذة الناشر:المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. يعتبر التشريع الإسلامي من التشريعات العالمية الأساسية المعترف بها دولياً، وكيف لا يكون كذلك وهو قد حكم جزءاً كبيراً من العالم لقرون عديدة، فوق أنه ما يزال حتى أيامنا هذه مصدراً ...مادياً لبعض فروع القانون في العديد من الدول العربية والإسلامية، ومصدراً رسمياً للتشريع ـ بصرف النظر عن مرتبته ـ في العديد من دساتير هذه الدول، هذا بالإضافة إلى تأثيره البالغ على الفكر القانوني العالمي ككل وإثرائه له عبر تاريخه الطويل، لذلك كانت قيمة البحث في هذا التشريع غير مقتصرة على الناحية التاريخية بل تتعداها إلى الزاوية العملية أيضاً.
لكننا اليوم في العالم الإسلامي حيث نستورد كل شيء من المجتمعات الغربية بدءاً من حبة القمح وانتهاءً بالقاعدة القانونية، فإن بعض المخدوعين ينظر إلى هذا التشريع الإسلامي على أنه دلالة تأخر وتخلف ونكوص إلى الوراء، مطلقين أحكامهم المسبقة هذه دون روية ولا تمحيص، ذلك أنهم سمعوا في الغرب من يردد هذه المقولة فانطلقوا خلفهم يرددون ما يرددون، دون أن يفطنوا إلى عملية الاستلاب التشريعي التي يمارسها الغرب علينا والتي من شأنها تكريس تبعيتنا له في مجال التشريع وغيره، منعاً لنا من تكوين شخصيتنا القانونية المستقلة التي هي دلالة أكيدة على استقلالنا وتحررنا من كل لون من ألوان الاستعمار، ولربما تكون الحجة الأولى التي يطلقها الغرب، هي كيف يتأتى لنا أن نطبق تشريعاً تنزل في الماضي السحيق على مجتمع بدوي متخلف، ونحن اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا المتقدمة والمذاهب السياسية والقانونية الراقية، متناسين أن هذا التشريع نفسه قد حمله الآباء والأجداد ـ الفاتحون معهم إلى البلاد المفتوحة التي كانت تشكل أكثر من نصف العالم القديم، حيث تشابكت العلاقات وتعقدت وحيث كان على هذا التشريع أن يواجه مجتمعات متباينة وعادات متنوعة، زخرت بها الدولة الإسلامية، فما ونى هذا التشريع ولا قصر عن تقديم الحلول القانونية الرفيعة لكل ما استجد من حاجات وما برز من علاقات، وفي إطار هذا التشريع نمت الحضارة الإسلامية العظيمة وازدهرت، وتسارع نمو المجتمع الإسلامي آنذاك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، فكان هذا التشريع مصدر تنشيط لكل ذلك بما حواه من عناصر إيجابية خلاقة لا مصدر إعاقة وإحباط، ذلك أن التشريع الإسلامي وإن اشتمل على الكتاب والسنّة حيث النصوص ثابتة غير قابلة للنسخ والتعديل، إلا أن معظم هذه النصوص هي نصوص عامة ظنية الدلالة ومن نوع القواعد العامة والمبادئ الكلية مما يتيح للعقل مجالاً واسعاً للعمل في إطار التشريع عن طريق الاجتهاد حتى في إطار النص، فإن لم يكن هناك نص في مسألة مستجدة، فإن الشرع الحنيف يمدّ الفقيه المجتهد بمجموعة من الأمارات والدلالات والمناهج العقلية تعينه على تلمس الحل التشريعي المناسب بما يتلاءم وروح الشرع وبما لا يعيق تطور المجتمع الإنساني نفسه، هذا بالإضافة إلى أن أحكام التشريع المنصوص عليها هي أحكام عقلانية وتنطوي أيضاً على الحفاظ على مصالح الأفراد والمجتمع المتمثلة في جلب المنافع ودفع المضار، بحيث لو أن هذه الأحكام عرضت على العقول السليمة لتلقتها بالقبول والتسليم، فهي كما يقول ابن القيم: «عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها» ويكفي للتدليل على ذلك أن يقول الشارع الحكيم في ختام تشريعه (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) [الأنعام: 115]، دلالة على أن جماع هذا التشريع هو العدل الذي أمر به الرب ونزلت به الرسل واتفقت حوله العقول والقوانين المتجرّدة من الزيغ والهوى.
كما أن القول بعدم ملاءمة الشرع الحنيف لأحوال عصرنا وحاجاته فيه إغفال وتجاهل. بل وتنكر لعلمائنا الأوائل الذين انبثقت قرائحهم عن نظريات قانونية إسلامية تضاهي وتتفوق على أرقى النظريات القانونية المعروفة في الحضارة الغربية، ويكفي للتدليل على ذلك الاستشهاد بنظرية المعتزلة في التقبيح والتحسين العقليين التي تتفوق على نظرية القانون الطبيعي في الفكر القانوني الغربي أم في نظرية الأشاعرة في التقبيح والتحسين الشرعيين والتي هي أرقى من النظرية الشكلية في إطار القانون الوضعي، وفي كل ذلك دلالة على عظم التفكير القانوني الإسلامي يوم كان التشريع الإسلامي مطبقاً واقعاً وعملاً في ماضي هذه الأمة، بل إن القول بعدم صلاحية التشريع الإسلامي في عصرنا يعني عدم معرفتنا بهذا التشريع وجهلنا له، لأنه لو تعمقنا فيه لانكشف لنا أن هذا التشريع يحمل بذور نموه وتطوره وصلاحيته عبر الزمان والمكان عن طريق الثقة بالعقل الإنساني المتربي على تعاليمه، وذلك بأنه نصب الأمارات والدلالات والمناهج لهذا العقل بما يضمن تقديم الحل القانوني لأي مسألة مستجدة وبما يحقق التوازن بين حق الشرع في أن يصان ويحفظ وبين حق المجتمع في أن ينمو ويتطور، وهكذا فإن الهدف من هذه الدراسة هو لبيان فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي من خلال دراسة وتحليل تلك الأمارات والدلالات والمناهج العقلية وصولاً إلى تحقيق غرضنا في بيان مدى دور العقل ونطاق سلطانه في إطار التشريع الإسلامي، دونما إغفال لإجراء الدراسات المقارنة الضرورية في هذا المجال مع النظريات القانونية الوضعية السائدة في التفكير القانوني الغربي.
وبناءً عليه فإن العقل هو دليل معترف به في الفقه الإسلامي لكنه ليس دليلاً منفلتاً متجرداً من ضوابط الفطرة والطبيعة الإنسانية كما هو الأمر في المجتمعات الغربية ـ بل هو في الفقه الإسلامي دليل منضبط محكوم بتلك المبادئ الكلية والقواعد العامة التي نصبها الله سبحانه في كتابه وسنّة رسوله، وهكذا فالعقل الذي يحق له الاجتهاد في الفقه الإسلامي هو العقل المتربى على شريعة الله المجرد من الهوى والزيع والضلالة. والسؤال بعد ذلك هو، لماذا الاجتهاد مع أن أحكام الله سبحانه وتعالى موجودة في الكتاب والسنّة، ونحن نقول جواباً على ذلك: نحن نؤمن يقيناً أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون إلى يوم القيامة، وأن الله سبحانه وتعالى بعلمه وقدرته قادر على أن ينزل شريعة شاملة تضع حلاً دقيقاً لكل مسألة من مسائل الحياة البشرية عبر الزمان والمكان سواء أكانت حادثة عند تنزل التشريع أو بعده، ولكن ذلك نتيجته ستكون الحجر على العقل البشري وتجميده وتعطيله في حين أن مشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضت تحرير العقل البشري وإعطاءه مساحة واسعة للتفكير والتأمل والاستنباط، ولذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية كتاباً وسنّة، وهي تتضمن خارطة اجتهادية للفقيه المجتهد إذا اتبعها واهتدى بهديها، فإنه سيجد الحل الشرعي للمسألة التي يعالجها، فإن اختلفت العقول في ذلك فالسلطة المؤمنة الحاكمة هي التي ترجح حلاً على آخر. وتبياناً لذلك فإننا إذا ما نظرنا نظرة سريعة إلى تاريخ الفقه الإسلامي وكيفية تطبيقه، في الدولة الإسلامية فإننا نجد أن الدولة الإسلامية في كل مراحلها وتنوعها قد اعتمدت على الفقه الإسلامي في قوانينها وتشريعاتها، فكان هناك الفقهاء والذين هم غالباً مستقلون وكانت هناك مؤسسة القضاء، وكانت الدولة الإسلامية غالباً تحترم مبدأ استقلال القضاء، لكن المشكلة بدأت عندما تعددت المذاهب الفقهية وبالتالي اختلفت الآراء الفقهية في الكثير من المسائل المنصوصة وغير المنصوصة، مما أدى طبقاً لذلك إلى اختلاف أحكام المحاكم في المسألة الواحدة، وهذه مسألة خطيرة لأنها قد تؤدي إلى عدم الثقة بأحكام القضاء من قبل عامة الشعب.
لقد انتبه الخليفة هارون الرشيد إلى هذه المسألة فاستحدث بناءً على ذلك منصب قاضي القضاة وذلك لأجل توحيد أحكام المحاكم وكان أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة هو أول من تقلّد هذا المنصب، ومن ذلك التاريخ أصبح المذهب الحنفي هو المذهب الملزم للقضاة في الدولة العباسية أي أصبح بالمفهوم المعاصر هو القانون الواجب التطبيق.
غير أنه مع تفكك الدولة الإسلامية لاحقاً، فقد تعددت المذاهب الملزمة للقضاة بتعدد الدول الإسلامية وميول شعوبها وحكامها، وبناءً عليه كان المذهب المالكي هو القانون المطبق في الدولة الأندلسية وفي دول المغرب العربي، والمذهب الشافعي هو القانون المطبق في الدولة الأيوبية، والمذهب الاثني عشري، هو المذهب المطبق في الدول الإسلامية الشيعية، وأما في الدولة العثمانية التركية، فإنها في معظم عهدها جعلت القانون المطبق فيها هو المذهب الحنفي، غير أنها فيما بعد خرجت على هذا المنهج واقتبست جميع قوانينها من القوانين الأوروبية، (وذلك باستثناء القانون المدني ممثلاً بمجلة الأحكام العدلية والأحوال الشخصية واللذين بقيا مستندين إلى المذهب الحنفي)، وبذلك فقد سنّت تلك الدولة سنّة سيئة في الإسلام، وقد اتبعت معظم الدول العربية والإسلامية المعاصرة تلك السنّة السيئة التي سنّتها الدولة العثمانية.
وهكذا فإننا نجد أن النظام القانوني الإسلامي إن صح التعبير ـ يقسم إلى ثلاثة أقسام: أولها: الشريعة الثابتة المتمثلة بالكتاب والسنة، وهذه ثابتة ولا يجري عليها أي تعديل أو تحوير أو إلغاء. وثانيها: هو الفقه الإسلامي والمتمثل باجتهادات الفقهاء سواء في إطار النص أو فيما لا نص فيه، وهذا الفقه هو ثمرة تطبيق النصوص الشرعية والقواعد الكلية الثابتة على الواقع الاجتماعي، وبما أن هذا الواقع متغير، فإن هذا الفقه يكون متغيراً كقاعدة عامة، (وذلك باستثناء بعض الأحكام الجزئية، وذلك كقواعد الميراث)، وهكذا فقد وضع الفقهاء القاعدة الشهيرة والتي هي (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان).
أما ثالثها: فهو القانون الإسلامي، وذلك أنه وطبقاً لتنوع وتغيّر البيئات الاجتماعية عبر الزمان والمكان وتبعاً لتنوع أفهام الفقهاء المجتهدين والاختلاف في المناهج الاجتهادية التي يستندون إليها بين مذهب وآخر، فقد اختلفت الاجتهادات الفقهية في المسألة الواحدة، فكان لا بد من فقه ملزم لتوحيد الأحكام القضائية، وهكذا فقد نشأ في التاريخ الإسلامي ما يمكن تسميته بالاصطلاح المعاصر بالقانون الملزم للقضاء، والمتمثل بالمذهب الفقهي الذي تتبناه هذه الدولة الإسلامية أو تلك، كما أشرنا إليه آنفاً. وبناءً على كل ذلك فإنه في الدولة الإسلامية الحديثة التي تتبنى الشريعة الإسلامية وما ينبثق عنها من فقه، وحيث إنه قد استقر مبدأ فصل السلطات في النظام الدستوري المعاصر، فإن من واجب السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية وهي تسن القوانين، أن تختار من الفقه الإسلامي القديم والمعاصر، ما تراه أكثر ملاءمة لظروف المجتمع في هذا العصر، وما تختاره يكون هو القانون الإسلامي لتلك الدولة، وذلك برأينا دون التقيد بمذهب معين، وذلك لأن الفقه الإسلامي جميعه هو فقه إسلامي خالص، انبثق عن عقول كبيرة، متربية على شريعة الله، وذلك بصرف النظر عن المذهب الفقهي الذي تنتمي إليه تلك العقول.
وأخيراً وتأسيساً على كل ما سبق، وحيث إن الاجتهاد الإسلامي يعمل في دائرة النص متمثلاً بتلك القواعد التفسيرية الراقية التي اهتدى إليها المجتهدون، ويعمل أيضاً في غير دائرة النص مستنداً إلى تلك المناهج العقلية التي استنبطوها مستندين في ذلك إلى الأمارات والدلالات التي نصبها المشرع الحكم رب العالمين في كتابه وسنّة رسوله كمنارات للعقل المجتهد يهتدي بها في اجتهاده، والتي اتفق جمهور الفقهاء على بعضها بينما اختلفوا على بعضها الآخر، أما التي اتفقوا عليها فهي، تنحصر في الإجماع والقياس وتشريع أولي الأمر وأما التي اختلفوا بشأنها فيمكن حصرها في الاستحسان والعُرف والمصالح المرسلة والاستصحاب، ثم إنه لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن فصل الاجتهاد في غير دائرة النص عن الاجتهاد في دائرة النص، بل هما وحدة واحدة، تجمعهما فلسفة اجتهادية واحدة.
وبناءً على ذلك فإن دراستنا هذه تقسم إلى الفلسفة العامة للاجتهاد في الفقه الإسلامي، ثم فلسفة الاجتهاد في دائرة النص، وأخيراً فلسفة الاجتهاد فيما لا نص فيه، وكل ذلك إنما يكون بالمقارنة الضرورية مع فلسفة القانون في القانون الوضعي.

إقرأ المزيد
33.25$
35.00$
%5
الكمية:
فلسفة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بالمقارنة مع فلسفة القانون في القانون الوضعي

  • الزبائن الذين اشتروا هذا البند اشتروا أيضاً
  • الزبائن الذين شاهدوا هذا البند شاهدوا أيضاً

معلومات إضافية عن الكتاب

لغة: عربي
طبعة: 1
حجم: 24×17
عدد الصفحات: 680
مجلدات: 1
ردمك: 9789923153475

أبرز التعليقات
أكتب تعليقاتك وشارك أراءك مع الأخرين