نبذة النيل والفرات:
قلب الزيات في صفحات عمره وروى الأحداث التي عاشها وصنع بعضها وشارك في غالبيتها بيسر وعمق وتماسك وحتى بحيادية مثيرة أو قل مؤلمة. كانت هذه الوقائع تجري تحت قشرة التعتيم الإعلامي على كل ما هو غير رسمي، مع أنها كانت تنخر في جذور كل ما هو رسمي حتى كادت الواجهة الملونة تنهار تماماً، لو لم يكن الأمر كذلك لما انبرى هؤلاء الشباب لأسباب ودوافع متناقصة أحياناً إلى اختيار العنف انتماء وتجربة وحياة.. وموتاً.
كانوا مهيئين للذهاب إلى أي مكان بعد ما اعتقدوا بأن أرضهم ومجتمعهم مستعدان لطردهم. ذهبوا إلى أفغانستان جهاراً نهاراً برعاية أعلى المراجع، ومنها انطلقوا إلى كل مكان، كان الذهاب بقرار، أما الإياب فكانت قصة أخرى تتطلب مطارات دولية واتفاقات أمنية وصفقات وتبادل، حاربوا وحروب بهم كانوا عند البعض نعمة من المساء، وعند آخرين نقمة تقتضي المضاجع، ذهبوا لمحاربة الملحدين في أفغانستان وعادوا "الملتحين" الذين تدق أجراس الإنذار في أجهزة الأمن بمجرد مرورهم، كانوا في حرب ضد الشيوعية وصاروا كما يرى البعض "في حرب ضد الإسلام".
قد يثيرون الإعجاب لدى البعض أو الاشمئزاز لدى آخرين. وقد يقابلون بالرفض والنفور أو بالتفهم والتماهي لكنهم بالطبع فرضوا أنفسهم على التاريخ المعاصر للمنطقة، كان هناك فراغ ما في مكان ما في مسيرة السياسة العربية والإسلامية فحاولنا ملء هذا الفراغ بما تيسر لهم من خبرات. وفي كتاب الزيات يتأكد الاعتقاد بأن التعاطي معهم على أنهم "مجرد شأن أمني" كان خطأ، فهم عبروا عن مشكلة ظلت كامنة دفع البعض ثمناً لمواجهتها. واستنفزت الأرض لمواجهتها وشغلت أجهزة وحكومات ودول ومنظمات إقليمية ودولية لمتابعتها ومعالجتها، والقضاء عليها.
تطالعون في الكتاب وقائع الولادة الشرعية لـ"ظاهرة الجماعات الإسلامية الراديكالية" قبل أن يصبح هؤلاء مطاردين في كل بقاع الأرض كـ"إرهابيين" خارجين على كل شرعية، يروي الزيات قصة كان يجب أن نعرف تفاصيلها منذ زمن، يحكي صاحبنا عن حياته الخاصة.. وحياة إخوانه أيضاً يتحدث عنهم أولاً كنموذج للإخاء والتفاني وتجسيد للتضامن الإسلامي لكنه أيضاً يروي كيف صاروا ضحايا أمراء حرب وتجاه حرب وأجهزة وشبكات، ربما أراد الزيات أن يتحدث عن ظلم تعرض له الإسلاميون لكنه لم يخف أيضاً أخطاء وقعوا في ها ولظن آخر مارسوه على معارضيهم أو قل على أنفسهم خصوصاً بعدما دخلت الارتباطات الإقليمية اللعبة وولد شيء اسمه "العالمية الأصولية" ووجد الإسلاميون أن الوقت جاء لـ"أسلمة العالم" فهم الذين كان للسادات دور في ظهورهم فقتل على أيديهم وحاربوا في أفغانستان مع الأميركيين وتحت لوائهم بعلمهم أو دون علمهم، عندما انتهت الحرب مع السوفيت التفتوا فوجدوا أن الأميركيين يقلدون عدوهم السابق، كانوا ضد "السفيتة" ووجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في مواجهة "الأمركة".
ولم تنته القصة فما زال في مخزون الزيات الكثير ربما لم يحن الوقت بعد لكشفه وإزاحة الستار عنه لكن الكتاب بقدر ما يروي وقائع فإنه يفضح مواقف وضعت الإسلام السياسي على محك تاريخي بعد ما ارتسمت المطالب الأميركية بأن يغير الإسلاميون أنفسهم إذا أرادوا البقاء وأن يغير الإسلام السياسي والاجتماعي والتربوي من أساليبه وسلوكياته لأنها في نظر الأميركيين أرضاً خصبة لنمو "الإرهاب".