مدن سورية - من ذاكرة الأصدقاء وحكاياتهم
(0)    
المرتبة: 446,622
تاريخ النشر: 14/08/2026
الناشر: أطلس للنشر والتوزيع
مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوعين
نبذة الناشر:أنا من آخر جيل أَدرَكَ مدينة سلميّة قبل أن يغيض ماؤها، وتظمأ تربتها، وتتحوّل من حاضرة حيويّة، إلى قرية كبيرة مهملة، لم تستمرّ إلا بثقافة ناسها وعلمهم ونشاطهم وحيويتهم.
جلب خال أمّي، الشيوعي الحمصي المغامر، الكهرباء إلى سلميّة قبل مدن سورية كبرى، وكان هذا سبباً غير مباشر لحبّ نشأ بين أبي ...وأمّي التي كانت تتردد على محلّه العصري الذي يبيع فيه «النوفوتيه» ولوازم الموضة والخياطة والتطريز، بالإضافة إلى القرطاسيّة، والأدوات الكهربائيّة الحديثة، وغيرها؛ وتزوجا.
في طفولتي المبكّرة، كنت أفرح بيوم «استقبال» أمّي، وأسرّ بمداعبات صديقاتها وملاطفتهنّ لي، وأستمتع بغنائهنّ مع عزف العود والإيقاع، وبأحاديثهن وضحكاتهن ومسامراتهن، وأتلذذ بأنواع الضيافة المفروشة على المائدة في مصطبة الدار. كنت أستمتع أيضاً بالذهاب مع أمّي وبعض صديقاتها إلى الحمّام الأثري الذي كان مفتوحاً للاستحمام، أتنشق بخار الماء المحمّل بعطر الصابون بمتعة، وألعب مع أترابي لعبة الانزلاق على الركب على أرضية الحمّام الحجريّة المصقولة اللزجة، إلى أن حُرمت من هذه المتعة؛ لأنني أصبحت كبيراً في نظر بعضهنّ.
منذ أتممت سنتي الثالثة، صرت تلميذاً مواظباً مع أبناء أعمامي وأولاد حارتنا الغربيّة عند «الشيخة مزيّن»، التي علّمتنا الكتابة والقراءة، والحساب، وحفّظتنا قصار السور، وكانت هي ودجاجاتها ضحايا شقاواتنا الطفولية، التي كانت تغضبها، وتستدعي لإرضائها تدخّلاً ديبلوماسيّاً من زوجة عمّي الدمشقية، فتطيّب خاطرها ببعض الكلمات الجميلة، وبهديّة من خبز التنور المميّز الذي كانت تخبزه زوجة عمي القدموسيّة.
ثم ارتدت الحضانة النظاميّة، التي تنقلنا سيارتها من بيوتنا وإليها، وتوسعت دائرة الدروس، لكن مزيّن ظلت شيختنا في الصيف؛ جعلني هذا أقرأ وأكتب وأحفظ بعض الشعر قبل دخولي المدرسة، ولعلّ أكثر ما حفظته من أشعار كان بفضل منزول العائلة الذي كنت أذهب إليه برفقة والدي أو وحدي، فأتحدث مع مرتاديه، ويلاعبني بعضهم أو يمازحني، أو يسألني عن الجديد الذي تعلّمته، أو يطلب مني أن أسمعه قصيدة، أو أغنية مما أعرفه، وكانت تشدني أحاديث الحضور المتنوعة، من السوالف والذكريات، إلى الأحوال الخاصّة والعامة، إلى الأدب والشعر والغناء، إلى السياسة ، فتعلو الأصوات وتنخفض تبعاً للموضوع، ويجذبني منظر دلال القهوة المرّةواصطفافها في المنقل فوق الفحم، وطقوس تقديمها وشربها.
ومن المتع الصغيرة العالقة في الذاكرة، لعبة «المنقلة» التي تعلمتها من صديق عمّي الذي كان يشرب معه المتّة، ويلعبان المنقلة، وهو بكامل أناقته باللباس العربي التقليدي، وفوقه مزويّة شديدة الجمال؛ وأيضاً جلسة شرب المتة أمام البيت، على بقية عمود أثري، وقت الغروب الذي يميّز سلميّة بنسماته العليلة، وسكونه.
أما متعة الطعام الكبرى فكانت في «المعاجيق». كنّا نذهب إلى القصّاب ومعنا قروش قليلة، فيحضّر لنا خلطتها من لحم الغنم وليّته مع فلفل أخضر وبهارات بنسب محددة، ونأخذها إلى الفرّان الذي كان يعطينا كتل العجين فنرققها ونضع الخلطة فيها ونطوي أطرافها بمتعة، ثم نرققها ثانية لتتخلل الخلطة العجين، فيخبزها لنا، ثم ننطلق إلى بائع العيران الذي كان يقف بدلوه الأبيض النظيف أمام السينما القديمة، فنتجرّع العيران مع المعاجيق، بتلذذ واستمتاع. إقرأ المزيد