صراخ الحضارات ؛ أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم
(0)    
المرتبة: 279,589
تاريخ النشر: 01/12/2006
الناشر: دار ومكتبة الهلال
نبذة نيل وفرات:آخر ما كان بالتصور هو أن تندلع أزمة كبرى لها البعد الحضاري من خلال رسوم كاريكاتورية تنشر في بلد أوروبي صغير لم تعرف عنه الصفات العدائية.
الاستهجان ينطلق من كون فن الكاريكاتور بحسب الشائع هو مجرد وسيلة ساخرة تستند إلى المبالغات في الشكل والمضمون، وفي الغالب هي رسوم محببة لطيفة ...تدفعنا إلى الابتسام.
لكن بين سطور ما هو شائع ثمة الكثير الكثير من الوقائع التاريخية التي انطلقت في حركتها من خلال رسم كاريكاتوري ووصلت إلى نهايات كبرى، تحمل في طياتها الواقع المؤثر والدوي الواسع. وهناك ثورات انطلقت عبر ترويج أفكارها بواسطة الرسوم الكايكانورية إن كان بشكل رئيسي كما هو الحال مع الثورة اللوثرية التي انطلق بها المصلح مارتن لوثر ضد الكنيسة وتحديداً الكرسي البابوي، أو بشكل رديف كما حصل ويحصل في دول عدة، إذ أن الكاريكانور بطابعه يساري، متمرد، صدامي، وهو في الوقت ذاته يطرح أفكاره تلك من خلال قفاز ناعم يتمثل بالخطوط الضاحكة، اللينة.
الكاريكانور فن ذو حدين ويمكن استخدامه بأشكال عدة رغم أن سمته الطاغية تؤشر إلى ميل هذا الفن نحو ضمائر الشعوب وتطلعاتها، ليكون في أوقات عدة حنجرة تطلق صرخات الجماهير أو مرآة تعكس آراءهم.
لكن لكل قاعدة استثناء الاستثناء هنا يتمثل بتعدي مشين على النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسم كاريكاتوري لصحافي مغمور في صحيفة في أرض الدنمارك البعيدة. كان ذلك في شهر أيلول من العام 2005 وقيل وقتذاك أنها حادثة سلوكية منحرفة لرجل جاهل لا تستحق التوقف عندها. لكن مستصغر شرر تلك (الحادثة الفردية) في ذلك البلد القصي، تحول بعد أربعة شهور إلى حريق كبير يوشك أن يتعولم بعدما (تأورب) و(تأمرك) وتطاير لظاه في جهات الدنيا وقاراتها الست.
فجدار الكراهية يرتفع من جديد، أكثر سماكة مما شهدته العصور الماضية، ودخان الحرائق يكتسح النفوس المعبأة أصلاً قبل أن يلتهم بعض سفارات ذلك البلد. والسؤال الذي يطرح في وجه الجميع: إلى أين تتجه العلاقة بين الشرق والغرب؟ وهل ما يجري من تمظهرات (صراع الحضارات) وقد بدأ يتجسد واقعاً كما (تنبأ) صموئيل هانتنغتون، أم أنها مجرد زوبعة أثارها صحافي موتور؟ وهل كانت ردود الأفعال على تلك الإساءة محقة كما ظهرت عليه، أم أنها أساءت بدورها إلى صورة الإسلام والمسلمين؟
وأياً كان الأمر، فإن (توقيت) هذه الإساءة يطرح علامات استفهام كبرى في اتجاهات عدة: منها أن الدنمارك والنرويج ودول الشمال الأوروبي الاسكندنافية بعامة هي الأكثر اقتراباً وتفهماً لمعاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي المتطاول والأبعد عن التعصب ضد العرب والمسلمين... أن تأتي (الرسوم المسيئة) في هذه الآونة يعني أن ثمة محاولة لإعادة عقارب الساعة الأوروبية إلى الوراء، وتأخير اللقاء التاريخي المنتظر بين أوروبا والإسلام.
وهذا التلاقي التاريخي حتمي ولا مفر منه، بحكم الجوار والتفاعل البشري والفكري، وبحكم ما مرت به أوروبا من تجارب الانفتاح على المعتقدات والأديان الأخرى، وما يتهيأ له العالم الإسلامي من عودة إلى روح الإسلام الحق في التعايش الديني والفكري مع العشيرة الإنسانية.
كذلك يسهم انتشار الرسوم المسيئة إلى نبي الإسلام في إحراج تركيا المسلمة التي اختارت الانضمام بحكمة إلى جوارها وجارها القريب منها (الاتحاد الأوروبي) بما سيتيحه من فرص التطور الاقتصادي العلمي والمدني. وبلا جدال فإن بعض المتعصبين المتاجرين باسم المسيحية واليهودية لا يريدون انضمام سبعين مليون تركي مسلم إلى أوروبا.
قد يقول قائل أن في الأمر مبالغة ما أو تضخيماً لحدث لا يخرج عن حدود الخطأ في التقدير، إنما نحن هنا ما عدنا ضمن دائرة التأويل بل دخلنا فعلاً الشكل الجديد من الأسئلة وعنوان (صدام الحضارات) سال من أقلام كثيرة في العالم جراء أزمة الرسوم والأمر كما هو معلوم تخطى لحظويته الإعلامية ليكون مركزاً في أي محاضرة أو مقالة أو كتاب أو حتى منطلق حواري.
من هنا كانت فكرة جمع بعض أبعاد الحدث بين دفتي كتاب من باب الواجب التاريخي والديني أولاً وثانياً من باب ترصد حركة نمو كرة الثلج مع ما صاحبها من آراء وطروحات عالمية وصولاً إلى ردود الأفعال الميدانية من تظاهر وتأثير اقتصادي وسحب سفراء وكيل بمكيالين...
ذاكرة التاريخ لا تحتضن الأحداث العابرة، وقضية الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم لا شك ستحتل مكانة واسعة من تلك الذاكرة. إقرأ المزيد