Book Added Successfully
Modify cart Complete your purchase
×
Paper Books
Ebooks
Audio Books
English Books
Kids Section
Educational Toys
Gift Shop
Free Shipping
Subscriptions
Advanced Search
Neelwafurat
Your Account Wishlist Shopping cart Newsletters
0
تعليقات الخاصة بـ Hajar
دبيب الفناء - أسامة أحمد حيدر   - 21/01/2026
ليست دبيب الفناء رواية بالمعنى التقليدي، بل تجربة وجودية عميقة، ورحلة فلسفية في طبقات النفس البشرية وتحوّلات الوعي، حيث يتقدّم السرد لا بوصفه حكاية تُروى، بل بوصفه سؤالًا ملحاً، وتأمّلًا يتكاثف، ومرآة تُعرّي الإنسان في صراعه مع المعنى، والعدم، والمصير. تقدّم الرواية شخصياتها بوصفها كائنات سردية ورمزية في آنٍ واحد؛ فهي قابلة لأن تُقرأ كشخصيات واقعية تعيش في مجتمع مأزوم، كما يمكن النظر إليها كتجلّيات متعددة للذات الإنسانية في مراحل وعيها المختلفة. ومن هذا التداخل بين الواقعي والرمزي، تنبثق قوة العمل، حيث تتلاقى المصائر المختلفة عند حقيقة واحدة: عبثية العالم، وهشاشة المعنى، ووحدة النهاية. يمثّل سعيد حضوراً رمزياً كثيفاً، أقرب إلى ضمير الأرض أو الوعي المتصالح مع الطبيعة، بينما تجسّد الشجرة محوراً دلالياً مفتوحاً: أصل الحياة، وذاكرة الإنسان، وصلته الأولى بالعالم، أو حتى البنية البدئية للوعي. أما جابر، فيقف في قلب الرواية بوصفه شاهداً ومراقباً، طبيباً وضميراً حياً، يعي انهيار المجتمع وتحوّلاته الفكرية والأخلاقية، دون أن يمتلك القدرة الحقيقية على التغيير، فيكتفي بالتدوين بوصفه آخر أشكال المقاومة. تتجلّى في شخصيات مثل مريم وسارة وأمل ثيمات البراءة المهدورة، والتمرّد المقموع، والرجاء المنكسر. فالرواية لا تمنح خلاصًا سهلًا، ولا تقدّم إجابات مطمئنة، بل تواجه القارئ بحقيقة أن الخير والشر ليسا نقيضين منفصلين، بل وجهان لفعل إنساني واحد، وأن السعي إلى المعنى قد يكون، في ذاته، محاولة دفاعية ضد الجنون أكثر منه حقيقة ثابتة. على المستوى الفني، يتنوّع السرد بين اللغة الفلسفية ذات النفس الأسطوري، واللغة اليومية البسيطة، وبين الحوارات، والمذكّرات، والمونولوغ الداخلي. هذا التنوّع الأسلوبي يمنح النص كثافة فكرية واضحة، ويجعل القراءة تجربة ذهنية ونفسية بقدر ما هي أدبية. كما تنجح الرواية في خلق مناخ خانق ومتماسك، يرسّخ الإحساس بالتآكل البطيء، لا بالسقوط المدوي، حيث يتحقق الفناء بوصفه دبـيبًا متواصلًا لا حدثاً فجائياً. دبيب الفناء رواية تُثقِل القارئ بأسئلتها، لكنها لا تتركه وحيداً. لا تعد بالنجاة، ولا تتورّط في وعظ أو تنظير، بل تؤدي دور الرفيق في رحلة الغرق الوجودي، مؤكدة أن التوهان جزء أصيل من الوعي، وأن الفناء ليس نقيض الحياة، بل شرطها الجوهري. إنها رواية لا تُقرأ طلباً للتسلية، بل تُقرأ طلباً للمواساة الفكرية؛ لمن يريد أن يرى قلقه الإنساني مكتوباً، وهشاشته معترفاً بها، وأسئلته الكبرى منعكسة بصدق أدبي نادر.