سوسيولوجيا الدين - الجزء الأول ( مقاربات كلاسيكية )
(0)    
المرتبة: 122,466
تاريخ النشر: 03/01/2019
الناشر: هيئة البحرين للثقافة والآثار
توفر الكتاب: نافـد (بإمكانك إضافته إلى عربة التسوق وسنبذل جهدنا لتأمينه)
نبذة نيل وفرات:إن التحولات التي عرفتها الظاهرة الدينية ، بما في ذلك الجدل حول ما يسمى " علمنة " أو " دهرنة " لا تفقد التحليلات الكلاسيكية صلاحيتها ، بل هي تدعو إلى إعادة قراءتها على نحو مغاير ، ولا غنى عن قراءة " المؤسسين " للتعرّف على أسئلتهم ، وعلى ...ما وجدوا من إجابات ، ذلك لأن الكلاسيكيين وضعوا قواعد هذا التخصص ، ولأن أعمالهم قد حددت بعض التوجهات الكبرى للبحث في السوسيولوجيا ، ما رسم ملامح مجالات للتساؤل برهنت على خصوبتها في المساعدة على الإستكشاف . لقد تبين أن إعادة قراءة الكلاسيكيين في ضوء تحليلهم للواقعة الدينية طريقة ممتازة لولوج إشكاليتهم العامة وعرض منهجهم . لقد واجه كلاسيكيو السوسيولوجيا الكبار جميعاً تحليل الشأن الديني ، واحتل هذا التحليل في الغالب حيّزاً لا يُستهان به من مجمل أعمالهم ، ومردّ ذلك أن ولادة السيوسيولوجيا بوصفها تخصصاً علمياً كانت وثيقة الصلة بالسؤال عن مصير الديني في المجتمعات الحديثة . ولأن المؤلفين الكلاسيكيين في السوسيولوجيا كانوا سوسيولوجيي الحداثة ( الاقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية ) ، ولأنهم كانوا مسكونين بالوعي التاريخي لشعور القطيعة مع الماضي ، ما كان في إمكانهم ألا يلتقوا بالظاهرة الدينية ، وهم يسمون إلى تحليل صعود المجتمع الحديث وفعلاً ، فإن العودة إلى الكلاسيكيين ، يبدو مهماً ، لأن إشكاليتهم لا تزال وهي تتناول من جديد ، ويتم تغييرها وتحويل وجهتها – تلهم بحوثاً راهنة . ويغدو مثل هذا الرجوع ضرورياً بالنظر إلى كون تصدع بعض الباراديغمات التأويلية الكبرى – من قبيل الدهرنة – يوشك في سوسيولوجيا الأديان ، كما في مجالات أخرى من السوسيولوجيا ، أن ينحدر بالإستقصاء السوسيولوجي إلى صيغ من الوضعية في المعطيات ، مسرفة التصنّع نوعاً ما ، متناسياً التساؤلات الابستمولوجية الكبرى والعمق التاريخي لدى كلاسيكيي السوسيولوجيا الكبار . وعليه ، فإن العودة إلى التحليل السوسيولوجي للواقعة الدينية الذي أنجزه هؤلاء المؤلفون ؛ إنهما هي لا محالة قياس وجاهة مقارينهم حتى يصبح بالإمكان تحليل التحولات الدينية المعاصرة . وإذا ما كان لسوسيولوجيّي الأديان ميلٌ معلوم على أن يعيدوا بلا كلل تناول " الأعمال الكلاسيكية " في تخصصهم ، فهل يعني ذلك أن الاهتمام – حتى العلميّ – بالدين يسير بالضرورة موازياً نزعة عفوية إلى التعلق بدراسة النصوص المؤسسة والمؤلفين " المقدسين " ؟ قد لا يخلو هذا الإفتراض الساخر من أساس ، ولكن جوهر الأمر في غير هذا طبعاً ، وإذا لم يكن في وسع سوسيولوجيي الأديان الفكاك من هذا العود الدائم إلى المصادر ، فمردّ ذلك إلى أن مسالة الدين كانت منذ بداية الفكر السوسيولوجي ، غير منفصلة عن مسألة موضوع العلم الاجتماعي بصفته تلك . ومن المعلوم أن آباء السوسيولوجيا قد ألزموا التخصص الناشئ وطموح كبير تمثّل في وضع قوانين وسمات ناظمة تحكم العيش في المجتمع ، وقد انكبّوا كلهم ، انطلاقاً من توجهات منهجية وباراديغمات نظرية شديدة الإختلاف ، على محاولة وضع نظام عام لعالم إجتماعي يتبدى للتجربة الجماعية بوصفه فوضى غير قابلة للحل . لقد كان مثل هذا المشروع يتطلب – وفق المختص الذي صاغه دوركايم في مقدمة كتابه " قواعد المنهج السوسيولوجي " – تفسير الحياة الاجتماعية " لا بالتصور الذي يحمله عنها المشاركون فيها ، بل بأسباب عميقة لا يدركها الوعي " . وكان يقتضي في الوقت نفسه الشروع في تفكيك نقدي نسقيّ للتأويلات التي يضعها الفاعلون الإجتماعيون لأعماله والأوضاع التي يعيشونها . كان نقد التجارب هذا ، ونقد المعايير العفوية الساذجة للعالم الاجتماعي ، لا ينفصل عن إعادة النظر في التصورات الميتافيزيقية لهذا العالم ، وبخاصة منها تلك التي تقرّ بتدخل ما خارج – إنساني في التاريخ وتستدعيه . وفي هذين الميدانين كليهما ذهبت السوسيولوجيا إلى اصطدام بالدين لا مناص منه . لقد ارتطمت بالدين أولاً باعتبار الدين صبغة لبناء إجتماعي للواقع ، ونسق مرجعيات يلجأ إليها الفاعلون تلقائياً تفكراً في الكون الذي يعيشون ضمنه . في هذا المعنى الأول كان بعض النقد للدين ( ولا يزال ) معبراً ضرورياً للقيام بموصفته المعطيات الفورية للتجربة الدينية التي تنغمس فيها الوقائع الاجتماعية . لكن السوسيولوجيا التقت بالدين أيضاً بوصفه هو نفسه صياغة عالمة لتفسيرٍ ما للعالم الإجتماعي ، لا يسعها مهما بعُد المدى الذي تمضي فيه نحو الإعتراف بحرية الفعل الإنساني ، أن نتصور استقلال العالم إلا ضمن الحدود التي يرسمها له المشروع الإلهي . كانت الغاية النقدية للسوسيولوجيا تصطدم على هذا النحو ، مبدأً ومنتهىً ، بالطموح الموجود لدى كل دين في إعطاء العالم معنىً كلياً ، وفي اختزال القدر اللامتناهي للتجارب الإنسانية . ضمن هذا الصدام بين المشروع التوحيدي للعلوم الاجتماعية الناشئة ، والرؤية الموحدة للأنساق الدينية ، لم يكن في وسع السوسيولوجيا أن تعرّف ذاتها إلا بوصفها مشروع تفكيك عقلاني لعمليات إضفاء الشمولية الدينية على العالم [ ... ] . الواقع أن في هذا الكتاب ما هو أكثر من مشروع أن يقدم المؤلفان للطلاب المنخرطين في الدراسة السوسيولوجية للوقائع الدينية انفتاحاً مناسباً للإشكاليات الكبرى التي تمثل القاع الثقافي لهذا التخصص ، ليؤكد أن طموحهما أيضاً ، إيقاظ اهتمامهم بالعمل على إعاذة البنا النظرية على نحو مستمر ، وهو عمل من مقتضى العلم الاجتماعي الحيّ . وكما جاء في المقاربات الكلاسيكية التي ضمها هذا الكتاب ، فإن الآباء المؤسسين الذين جاء ذكرهم ، يحملون مشروع علم موحّد ، ينبغي لتطوره أن يندرج في الحركة التي لا تقاوم للعقلنة ، ونزع الهالة السحرية عن العالم . فقد تناول جلّهم ، كما يذكر المؤلفان ، من جديد ، وإن بنبرات مختلفة ، سبب تراجع تأثير الدين في المجتمعات الحديثة ، وتوسعوا فيه ، فقد احتفى بعضهم بنزع الإستلاب المقترن بهذا التراجع ، بينما استاء آخرون من البرود العاطفي وجفاف القيم الذي يجرّ ذلك التراجع . وأنعم بعض آخر منهم النظر طويلاً في إمكان تعويض الدين بأخلاق مشتركة مؤسسة على العلم .. ومهما يكن من أمر ، فهذا لا يسلب التحليلات الكلاسيكية صلاحيتها : بل هي تدعو ، على العكس من ذلك ، إعادة قراءتها قراءة مختلفة ، للكشف عن كوامن جديدة ، وتناولها تناولاً جدلياً أكثر دقة الحركة التاريخية لضمن سلطة الدين الاجتماعية وتراجع دينامية الخيال الدعي اليوتوبيه ، التي تعاود دوماً الإنطلاق في أشكال جديدة . إقرأ المزيد