تاريخ النشر: 01/01/2007
الناشر: الشرق العربي ناشرون
نبذة نيل وفرات:الطوماح بن حكيم، هو الحكم بن حكيم بن عمرو بن الغوث بن طيء وكنيته أبو نقر، والطرماح لقب عرف به الشاعر، حتى غلب على اسمه الأصلي، فاشتهر به منذ القديم. والكلمة بمعنى الطويل المرتفع ثم أطلقت مجازاً على الرجل الذي يرفع رأسه زهواً.
والطرماح من بيت شرف في قومه. كان ...جده قيس جحدر ابن خالة حاتم طيء الشاعر الجواد المشهور. وهو من سادات طيء. وقد وقع قيس في أسر أحد الملوك، فوفد إليه حاتم وطلب أن يهبه قيساً. فوهبه له، وأطلقه من الأسر. ووفد قيس بن جحدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم، وله صحبة.
لا ندري متى ولد الطرماح على وجه الضبط، ولا نعرف كذلك متى مات الطرماح، ومهما يكن من أمر فنحن نعرف على وجه اليقين، أن الطرماح قد عاش في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وفي أوائل القرن الثاني. والأحداث التاريخية التي ذكرها في شعره تدل على ذلك دلالة قاطعة. والأشخاص الذين اتصل بهم، وذكرهم في شعره مادحاً لهم، أو هاجياً إياهم، عاشوا في هذا الزمن، وكانوا من رجاله البارزين.
أجمعت الروايات على أن الطرماح كان يذهب مذهب الخوارج، وبعض شعره يدل على ذلك دلالة صريحة، إذ فيه قصيدة واحدة ومقطوعتان اثنتان يبين فيها مذهبه الخارجي.
ثم إن الطرماح قد اشتهر ونبغ بعد أن ذهبت ريح الخوارج، وانطفأت جمرتهم، ووقفت حروبهم، إذ فضت جموعهم، وانكسرت حدتهم في فارس والعراق. وقد أخلد عامة الخوارج إلى السكينة بعد ذلك، وأخذوا يعيشون مع الناس عيشة راضية وادعة. وكان ذلك بعد هلاك قطري بن الفجاءة سنة 77، ومقتل شبيب بن يزيد الشيباني في السنة نفسها.
وفي هذا الدور من تاريخ الخوارج قال الطرماح معظم شعره. فقد مدح يزيد بن المهلب الأزدي الذي ولي خراسان بعد موت أبيه سنة 82، وولي العراق سنة 97. وهجا الفرزدق وتميماً، وأكثر من هجائهم بعد مقتل يزيد بن المهلب سنة 102، غضباً منه وانتصاراً للأزد والقحطانية حين هجاهم الفرزدق، وشمت بمقتل يزيد بن المهلب، ومدح خالد بن عبد الله القسري الذي ولي العراق سنة 105.
الطرماح من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم، وديوانه هذا يشهد بذلك. والغرض الذي أكثر الطرماح من القول فيه الوصف. ووصف الطرماح يدور على البادية وما يعرض فيها للإنسان من مناظر، وما يضطرب فيها من حيوان ووحوش. ولا نجد في ديوانه كله وصفاً لأحوال العراق الذي أقام فيه، ولا لمناظر البلاد التي زارها، وإنما هي البادية ومناظرها يذكرها دائماً، ويصفها كثيراً، ولا شيء آخر سوى البادية.
وصف الطرماح في شعره الفلاة واختراقه إياها، والهاجرة وسيره فيها، والسرى والكلال فيها والحرمان من النوم، والسراب والتماعه واضطرابه، وكتيب الرمل، والوادي المشجر. ووصف الرحيل والأظعان، والخدور والهوادج، والسفر والركب المسافرين. ووصف الناقة والبعير، وثور الوحش ونعاجه، وحمار الوحش وأتنه، وكلاب الصيد وهي تطارد الصيد، والقطا وسربها وفراخها، والأروى وقطيعها، والطبية وغزالها، والظليم، والذئب والغراب والحرباء، والنحل والقراد والجندب. ووصف الجيش والخيل والغارة والسهام والقوس. ووصف الريح والبرق والمطر وعين الماء ومنهل الماء الآجن والبئر وحوض الماء. ووصف النخلة والأرطاة وقدح الميسر والرحل وأطلال الديار وأدحي النعام وغير ذلك.
والوصف في شعر الطرماح يأتي أكثره مبثوثاً في قصائده التي قالها في الفخر والهجاء والمدح. على أن هناك قصائد في الديوان قصرها الطرماح برمتها على الوصف دون غيره من الأغراض. وفي ديوان الطرماح غزل كثير، قاله متبعاً التقاليد الفنية التي كانت تقضي بافتتاح القصائد الكبرى في الأغراض المختلفة بالغزل قبل الأخذ في الغرض المقصود.
هذا ومن خصال الطرماح التي يستوقف النظر إكثاره النظم على أوزان الشعر القصيرة. ففي ديوانه أربع قصائد على الوافر، وقصيدتان على الخفيف، وقصيدة على مجزوء الكامل، وقصيدة على السريع، وقصيدة على المديد، وقصيدة على المتقارب. وقد ركب الأوزان القصيرة في قصيدتين اثنتين طويلتين من مديحه، والمديح غرض اعتاد الشعراء، في غالب الأحوال، أن ينظموه على أوزان الشعر الطويل. وينشأ عن هذه الأوزان القصيرة موسيقى سريعة الإيقاع، توفر لشعر الطرماح أمواجاً من النغم العذب، يحلو وقعها في الآذان.
وبالنظر لأهمية ديوان الطرماح هذا فقد سعت الدكتورة عزة حسن لتحقيقه متبعاً في تحقيق ديوان الطرماح الطريقة التي ابتعها في تحقيق ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، وديوان ابن مقبل العجلاني. وقد اعتمد في ذلك على نسخته المخطوطة الموجودة في مجموعة جوروم، وعلى نسخته المطبوعة عن المخطوطة الأندلسية، واتخذناهما أصلين في العمل. ونظر كذلك في قصيدة الطرماح المختارة له في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي من رجال القرن الرابع. وهي ملحمة الطرماح. والملحمات سبع قصائد جياد اختارها أبو زيد للفرزدق وجرير والأخطل عبيد الراعي وذي الرمة والكميت بن زيد والطرماح بن حكيم.
ثم تتبع شعر الطرماح المنثور في كتب اللغة والأدب وغيرهما، مثل لسان العرب لابن منظور، والصحاح للجوهري، والأساس للزمخشري، والمعاني لابن قتيبة، واللآلي ومعجم ما استعجم لأبي عبيد البكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والحماسة للبحتري، والحماسى لابن الشجري، والحماسة البصرية، والتذكرة السعدية وغيرها. فاجتمع لديه من شعره قدر غير يسير.
وقد قابل القصائد الموجودة في الأصلين والقصيدة المختارة في جمهرة أشعار العرب وأشعار الطرماح الواردة في الكتب بعضها ببعض، وبينا الروايات المختلفة التي وجدها فيها وكان يختار الرواية التي يراها أعلى وأجود وأقرب صلة بالسياق والمعنى، وثبتها في المتن. ثم كان يورد الرويات المختلفة جميعاً في الحاشية، لتيسير الوقوف عليها، والمقايسة بينها، مع تقديم الرواية التي أثبتناها في المتن، ثم الرواية التي تليها في الجودة، أو التي تمت إليها بشبه أو بصلة أخرى، وهكذا بالترتيب. وهذا مع بيان الغلط أو التصحيف الواقع في هذه الروايات.
ورجع إلى الديوان بعد هذا كله، وبذل وسعه في شرح ألفاظه ومعانيه وصوره التي وقفنا عندها، أو طن أن القراء يقفون عندها. واتبع في ذلك طريقاً وسطاً بين الإيجاز والبسط، مع الميل إلى الإيجاز بعض الميل، إلا في مواضع رأى فيها البسط أقوى وأجدى. واستعان في عمله هذا بكتب اللغة المختلفة. وكان جل اعتماده من بينها على معجم لسان العرب واقتبس كذلك أشياء من كتب الأدب التي ورد فيها شروح على شعر الطرماح مثل كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة.
هذا وقد استعمل في حقل بيان الروايات المختلفة في الحواشي كلمة (الأصول) حين كان الأصل المخطوط والأصل المطبوع والمراجع كلها تتفق على رواية، ويشذ عنها مرجع واحد برواية أخرى، واستعمل كلمة (المرجع) حين كانت المراجع كلها تتفق على رواية واحدة، وتخالف رواية الأصل المخطوط والأصل المطبوع معاً. إقرأ المزيد