الفكر الليبرالي عند فرنسيس المراش ؛ بنيته وأصوله موقعه في الفكر العربي الحديث
(0)    
المرتبة: 40,699
تاريخ النشر: 01/12/2006
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
نبذة نيل وفرات:وصلت حركة النهضة العربية بعد قرابة قرنين على انطلاقتها مطلع القرن التاسع عشر إلى مأزق حاد بفعل الإخفاقات الكبرى التي ما فتئت تحاصرها في كل الاتجاهات، ما يعيد طرح السؤال النهضوي الكبير من جديد وبصورة أكثر إلحاحاً: لماذا تأخر العرب وتقدم الآخرون؟ من هذ السؤال المربك تنطلق هذه الدراسة ...لترى أن ثمة خللاً مستمراً وقف وراء أزمة العرب التاريخية، يتمثل في غياب الحرية وشيوع ثقافة الاستبداد، فالاستبداد والتخلف صنوان، بالاستبداد تسلطت الأنظمة على الشعوب وأفلتت من رقابتها ومساءلتها، وبالاستبداد غيب العقل وسادات الأوهام، وعمم الفقر والأمية، وانتهكت حقوق المرأة، وبالحرية يمكن الانخراط في الحداثة، ومنها تبدأ النهضة ومن نافذتها يمكن التطلع إلى إقامة مجتمع العدل والتقدم وإرساء دولة العقل.
ومن المنطلق ذاته رأت الدراسة أن تأصيل ثقافة الحرية في الفكر والسياسة والمجتمع، يجب أن يكون في مقدمة المهمات الراهنة للدراسات الفلسفية التي يجب أن تتوجه إلى تراثينا الليبرالي من أجل استئناف مشروعه المنكفئ والموؤود، فثمة لحظة ليبرالية في فكرنا العربي الحديث قد تعثرت وانكفأت. هل يمكن استعادتها من جديد؟ ما هي خلفيات تعثرها وانكفائها؟ لماذا لم يقيض لها أن تستمر وتتطور وتتقدم؟ هذه التساؤلات تقود في رأي الدراسة إلى فرنسيس المرّاش، ذلك الأديب والمفكر النهضوي الرائد والمغمور الذي أقام كامل نظامه الفكري على الحرية باعتبارها أساس التمدن والارتقاء السياسي والاجتماعي والفكري، طارحاً في ستينيات القرن التاسع عشر ومطلع سبعينياته، المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان قبل الإعلان العالمي لهذه الحقوق بأكثر من ثلاثة أرباع القرن، إضافة إلى طرحه في الفكر العربي مبادئ جديدة تخرج عن المألوف في هذا الفكر، وتعيد إنتاج قيم وأسس الفكر الليبرالي الغربي في الثقافة العربية؛ بأسلوب عبقري وإبداعي. لكن المراش رغم ريادته الفكرية في أكثر من مجال، لم يُدْرس دراسة فكرية شاملة، فبينما نشرت الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، وبعض كتابات فرح أنطون وأديب إسحق، في طبعات حديثة منذ أواسط القرن العشرين، ورافق ذلك كله دراسات واسعة ومتعددة في فكر هؤلاء، اقتصر الاهتمام بفرنسس المرّاش على إعادة طباعة كتابه "غابة الحق، نهاية القرن العشرين الماضي ومطلع هذا القرن".
وبالعوة؛ فإن المنهجية المعتمدة في هذه الدراسة تعتمد التجرد والخيار العلميين، فلم تبن أي موقف أو استنتاج، فيما يخص فكر المراش الليبرالي؛ إلا استناداً إلى قراءة دقيقة وتاريخية لنصوصه ومدلولاتها الحقيقية. ولهذا فقد تجنبت الدراسة الأحكام الأيديولوجية التي تفسر أفكار النهضويين تفسيرات معاصرة، هي في الواقع بعيدة عن طبيعة تفكيرهم وتطلعاتهم، مغايرة لها، عارضة في هذا الإطار لبعض القراءات الأيديولجية لفكر النهضة العربية التي غالباً ما تنساق إلى تأويلات لمقاصد النهضويين، لم تكن واردة في أذهانهم، فكان أن أخرجت النص النهضوي في إطاره التاريخي وحمله مضامين معاصرة، العلمانية مثلاً، التي نادى بها نهضويو أواسط القرن التاسع عشر، ومنهم المرّاش، لم تقم على خلفية قومية معادية للترك، كما ذهب بعض الباحثين؛ بل أن هؤلاء كانوا عثمانيي الولاء، حريصين على الرابطة العثمانية، ولا يجدون تناقضاً بينها وبين الرواط الوطنية والقومية العربية. وكذلك لا يمكن إسناد النزعة الإنسانية والاعتراف بحقوق سياسية واجتماعية للفقراء عند فرنسيس المراش إلى خلفية اشتراكية، كما تصور بعضهم، فالواقع أن المرّاش كان بعيداً عن الطرح الاشتراكي ولم يكن وارداً في ذهنه، توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء. بهذه المنهجية تناولت الدراسة مفردات وتعابير المرّاش، مفككة نصوصه، رابطة بين أفكاره المتناثرة والمذررة في مؤلفاته وقصائده ومقالاته في مجلات عصره، من أجل اكتناه مضامينها الحقيقية والواقعية؛ إذ أن المراش ليس فيلسوفاً يعبر عن آرائه وأفكاره من خلال منهج محكم؛ بل هو أديب وشاعر تضمنت مؤلفاته أفكاراً فلسفية في السياسة والاجتماع والإنسان، يجب تحديدها ومقارنتها في ما بينها من جهة، ومع أفكار معاصريه من جهة أخرى، والنظر إليها في إطارها التاريخي المميز من أجل إدارك حقيقة مراميها وأهدافها.نبذة الناشر:تحتل قضية التراث حيزاً واسعاً في اهتمامات الفكر العربي المعاصر، وستبقى في هذا الموقع الأساسي "نظر إلى ما للتراث من صلة حية بالمرحلة الحاضرة من تاريخ الثقافة العربية"، على حد تعبير الدكتور ناصيف ناصر في تقديم هذا الكتاب.
لقد اجتهد د.كرم الحلو باحثاً ومنقباً في حياة ومؤلفات فرانسيس المراش، والمرحلة التي عاش فيها، فأبرز معالم تجربته وأفكاره، وأظهر إطارها التاريخي، وعقد مقارنات بين ما سبقها وما عصرها، وركز على ريادتها في ميادين عديدة، ولا سيما في ميدان العلاقة "بين حركة التمدن والحديث وبين الفكر الليبرالي"، فسلّط بذلك أضواء كاشفة على شخصية فرانسيس المراش بأبعادها النهضوية، وبمميزاتها التي جمعت بين الأدب والاتجاهات الفلسفية.
إن مركز دراسات الوحدة العربية، إذ يقدم هذا الكتاب الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه، فإنه يؤكد في الوقت نفسه مواصلة الاهتمام بالتراث العربي، ومتابعة البحث فيه من أجل رفد القدرات على مواجهة التحديات التي تقف أمام العرب في المرحلة الراهنة، كما يتابع نشر أطروحات الدكتوراه التي يرى في تعميمها فائدة للقارئ، وإضافة نوعية إلى الثقافة العربية، سواء من زاوية علاقتها بالتراث أو من زاوية علاقتها بآفاق الشؤون العربية والعالمية المعاصرة. إقرأ المزيد