تاريخ النشر: 05/08/2026
الناشر: الكتب خان
نبذة الناشر:"أيها العالم يا حبي".. جغرافيا ياسر عبد اللطيف الشعرية
بقلم الكاتب حسن عبد الموجود
حين أصدر الشاعر المصري ياسر عبد اللطيف ديوانه الأولى "ناس وأحجار" كان عقد التسعينيات قد انتصف، وبدت صرخة جيل شعراء النثر عالية أكثر من اللازم، لأن شعراءً كلاسيكيين كباراً بحجم أحمد عبد المعطي حجازي وغيره اتهموا أصحابها بأنهم ...صنيعة المخابرات الغربية.
انقسم المشهد إلى محب وكارهٍ للقصيدة الجديدة، قصيدة اليومي والعابر. وفرح كثير من الشعراء بالضجة، ففي المعارك يختفي سؤال القيمة، ويعلو صوت القبلية، الذي يلخصه المثل القائل "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".
وفي غمرة تمدد قصيدة النثر بدا كأن الجميع تقريباً يكتبون نصاً واحداً، وينهلون من قاموس واحد. اختفت الفروق الفردية تقريباً، وعُقِر أي مثقف جرؤ على انتقاد التكرار، بل وشُيطِن واتُّهِم بالسلفية الأدبية، أي أن شعراء النثر مارسوا نفس الإرهاب الذي مورس عليهم.
بدا المشهد مرتبكاً، خاصة مع هجرة شعراء السبعينيات والثمانينيات، مثل حلمي سالم ومحمد صالح وجمال القصاص إلى القصيدة الجديدة، وبذلك وجدنا شعراء في الستين أو السبعين من أعمارهم يبدأون السلَّم من أوله. خلعوا معاطفهم الثقيلة وارتدوا قمصان "هاواي".
من ناحية الشكل بدا كأن جسم الشعر قد رُدَّتْ إليه الحياة، لكن القفص امتلأ في داخله بحبَّات طماطم عطنة هدَّدت بقية الثمرات بالفساد، كما أن الخلط امتد إلى عدم التفرقة بين قصيدة النثر والقصيدة الحرة، كأنهما شيء واحد، رغم وضوح الفوارق في مقولات آباء قصيدة النثر مثل تشارلز سيميك وجون آشبري وراسل إدسون.
كان ياسر عبد اللطيف واحداً من الأسماء القليلة – في جيل التسعينيات - ذات الصوت الهادئ والمختلف. قصيدته ابنة مكانها وزمانها، ولا تشبه إلا نفسها.
لم ينشغل بفكرة تعزيز وجوده بسرعة مؤاخاة الديوان، حتى أنه حين أصدر عمله الثاني بعد عدة سنوات (2002) كان رواية هي "قانون الوراثة"، رواية قصيرة حصلت على جائزة ساويرس في أولى دوراتها وكُتِبت عنها عدة مقالات تشيد بجودتها، وتصويرها لوجهٍ آخر من وجوه ضواحي القاهرة.
بدءاً من هذه اللحظة رسَّخ ياسر لوجوده ككاتب، يضع قدماً في الشعر، وقدماً في السرد، ولماذا لا يحدث ذلك، وقصيدة النثر في أحد تجلياتها قد استعارت السرد والحكاية و"شكل الفقرة" من القصة والرواية. صار ياسر مع توالي أعماله الشعرية "جولة ليلية" و"قصائد العطلة الطويلة"، وكذلك القصصية "يونس في أحشاء الحوت" و"في الإقامة والترحال" و"موسم الأوقات العالية"، هو الدليل على سهولة انتقال الشاعر إلى كتابة السرد والتميز فيه.
لم يزاحم الآخرين على مناطق نفوذهم، وكتب تجربته الذاتية مع المدينة، أو الأدق مع ضواحيها، من المعادي إلى حلوان، ومن المعادي إلى وسط البلد. كتب أيضاً عن لحظات الفرح المسروقة مع الرفاق، عن كلاب الشوارع الخلفية سواء كانوا بشراً أو حيواناتٍ، عن غرق المعادي وبيوتها وثكناتها في العزلة، عن المخبوء الشعبي الغريب والمبتذل في الجهة النائمة المقابلة لكورنيش النيل.
بحث عن المعاني في لغة السكان الأصليين، وكيف تسرَّبت إليها أصوات الحداثة، أو كيف حفظت نفسها من الموت.
لم تختلف كتابة ياسر بعد أن هاجر إلى كندا، سوى أن رقعتها الجغرافية قد اتَّسعت، وضمَّت ضواحي مدينة إدمنتون في مقاطعة ألبرتا.
انشغل بتأمل أبناء الأعراق الأخرى وهم يتحولون إلى تماثيل منحوتة من الثلج والضجر، وبذلك بعد أن كانت عزلته في وسط مدينة يعرفها جيداً، صارت غربة في مدينة صناعية لا تبذل أي مجهود لتجميل نفسها في عين أي مهاجر. إقرأ المزيد