الرواية التاريخية في أدبنا الحديث "دراسة تطبيقية"
تاريخ النشر: 01/01/2019
الناشر: دار مبدعون للنشر والتوزيع
توفر الكتاب: نافـد (بإمكانك إضافته إلى عربة التسوق وسنبذل جهدنا لتأمينه)
نبذة الناشر:في الماضي، كانت هنالك مساحات مضيئة ومشرقة، وهذه المساحات مفيدة، واستدعاؤها ضروري كي نستفيد من معالمها وملامحها ودروسها.. ولعلنا نضيء بها مساحات مماثلة في حاضرنا.
وفي الماضي، كانت هنالك مساحات مظلمة وقاتمة.. وهذه المساحات مفيدة أيضًا، واستدعاؤها ضروري كذلك، كي نستفيد من عِبرها وعظاتها ونتائجها.. ولعلنا بعدئذ نحافظ على ما عندنا ...حتى لا يشمله الظلام والقتامة.
وكُتّابُ «الرواية التاريخية» في عصرنا الحديث استوعبوا هذا الدرس جيدًا لإيقاظ أمتهم بالفن- على تفاوت فيما بينهم- فأخذوا يحاولون، ويبذلون جهودًا عديدة، أثمرت هذا التراث الهائل الذي يمكن أن نضعه تحت عنوان «الرواية التاريخية» ولأن هذا التراث في بداياته كان يفتقر إلى المنطق الفني الصارم، فقد لقى بصفة عامة نوعًا من الإهمال والتجاهل، لا يتسق مع ما بُذل فيه من جهد وعناء.
صحيح أن هناك بعض المحاولات التي نظرت إلى هذا التراث نظرة طائر عابر، وبعضها توقف عند نماذج معينة، وبعضها اكتفى بتناول رواية من هنا، وأخرى من هناك، ولكن يبقى هذا الكم من«الرواية التاريخية» في حاجة إلى إعادة نظر، وإلى قراءة جديدة تغوص في أعماقه، وتكشف بعض مكنوناته.
كانت هناك قراءة موجزة، وعميقة في الوقت نفسه، قام بها «محمد حامد شوكت» في دراسته حول الفن القصصى في الأدب العربي الحديث، وأشار فيها إلى عدد من النصوص الروائية التاريخية، ولكنه لم يتوقف طويلا عند نماذجها، وكان طابع الدراسة سببا في ذلك.
وكانت هنالك قراءة نقدية وتاريخية قام بها «قاسم عبده قاسم»، و «أحمد إبراهيم الهواري» لأربع روايات تاريخية، تولى الأول الجانب التاريخي المحيط بها وأفاض فيه، وقام الثاني بالدراسة الأدبية. وكانت النماذج لجرجي زيدان، ونجيب الكيلاني، وعلى أحمد باكثير، ومحمد سعيد العريان.
ثم كانت هنالك قراءة نقدية لبعض روايات نجيب محفوظ التاريخية، تضمنتها دراسة عبد المحسن طه بدر، في كتابه عن نجيب محفوظ- الرؤية والأداة.
وقد نعثر في ثنايا بعض الأبحاث والدراسات على تناول موجز أو مفصل لرواية أو أكثر لكاتب أو أكثر.. ولكنها في كل الأحوال لا تتوفر على دراسة الرواية التاريخية بوصفها لونا روائيا متميزا له خصائصه وجمهوره وتأثيره..
ولعل هذا ما حفزني على تخصيص هذه الدراسة للرواية التاريخية من خلال اهتمام أكبر، ومنهج يتوقف عند بعض ما أهمله الدارسون أو مروا عليه مرورا سريعا وخاطفا.
لقد تأملت النماذج العديدة من الروايات التاريخية منذ نشأتها المشهورة على يد «جرجي زيدان»، وحتى أحدث النماذج التي صدرت في العام 1989.
وقد رأيت أنها –فنيا- تندرج تحت ثلاثة أقسام؛ الأول: لا تتوافر فيه الأسس والمفاهيم الفنية لبناء الرواية بشكل كامل، أو يجعل منه أصحابه مجرد وسيلة لتحقيق غاية أخرى مع التجاوز عن بعض مواصفات البناء الفني للرواية، وكان الهدف منه غالبا هدفا تعليميا، وهو ما نستطيع أن نطلق عليه رواية «التعليم». القسم الثاني: نبت على يد رواد الحرفة الفنية الناضجة أو جيل البناة للرواية العربية الحديثة، وهو الجيل الذي استوعب المقاييس الكلاسيكية التي عرفها الأدب الغربي الحديث، فأنشأ على هداها رواية متكاملة الأركان قوية الأسس، واستطاع أن يقدم رواية تاريخية ناضجة، نستطيع أن نطلق عليها رواية «النضج».
أما القسم الثالث والأخير، فيتمثل في الاستفادة بالتاريخ كإطار يتحرك من داخله الكاتب الروائي مستعينا بالخيال الروائي الفضفاض، ليعالج قضايا معاصرة وملحة، وهو ما نستطيع أن نطلق عليه رواية «استدعاء التاريخ».
إذًا نحن أمام ثلاثة أقسام هي: رواية التعليم، رواية النضج، رواية الاستدعاء. كل قسم من هذه الأقسام له دوره وله مهمته في سياقه الزمني وإطاره التاريخي. ومن حسن السلوك مع هذه الأقسام أن نقدر قيمتها الموضوعية والفنية، وتأثيرها العلمي والجمالي، بالنسبة للقارئ العادي، والقارئ المثقف، والقارئ المتخصص.
إن البعض في الحقل الأدبي ينظر أحيانًا باستعلاء إلى بعض المراحل الأولى التي كرّست فن الرواية التاريخية، ويرى أن دراسة نماذج هذه المراحل جهد لا طائل من ورائه.. ولكن النظرة الموضوعية المتواضعة، تكشف عن دلالات ينبغي أن نضعها في الحسبان عند تقويم الرواية التاريخية وبحث تطورها.. ولا ينبغي أن نغفل هذه الدلالات، لأنها جزء من حكمنا وتقويمنا، فضلا عن أبعاد أخرى تجليها روايات البداية بالسلب أو الإيجاب.
وقد آثرت أن تكون هذه الدراسة وفقا للتقسيم الذي استنتجه بعد طول تأمل.. وفي كل قسم ركزت على أبرز النماذج التي تكشف عن غاية فنية أو موضوعية، لتكون دليلا على ظاهرة وعلامة على منهج. وقد وطأتُ لكل قسم أو سفر من الأسفار الثلاثة بتوطئة تتحدث عن ملامحه ونماذجه، مما لا حاجة بي إلى ذكره هنا.
والذي أود أن أشير إليه أنني اعتمدت على قراءة شاملة للنماذج التي تناولتها.. بمعنى أنها تشمل الكاتب والمكتوب معا.. فالكاتب من حيث إنتاجه وكتاباته السابقة واللاحقة يمثل عنصرا مهمًّا في فهم النموذج موضوع القراءة يصعب الاستغناء عنه، أو هو – على الأقل – يضيء النّص من الناحية الزمنية.. ولهذا ترجمت للكاتب ترجمة موجزة، وذكرت أعماله كلها أو معظمها وتوقفت عند بعضها وقفات قصيرة أو طويلة بغرض التمهيد أو المقارنة خدمة للنص، وإلقاء الضوء عليه من زوايا أخرى.
أما النص ذاته، فقد تناولته شكلا ومضمونا، بناء وصياغة.. ولا أخفى أنني توقفت عند بعض المفاهيم والرؤى التي تناولتها النصوص بالتفسير والتحليل، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالحدث التاريخي، الذي تناوله المؤرخون بالاتفاق أو الاختلاف.
ويلاحظ القارئ أن الدراسة في عمقها اتكأت على نص واحد للكاتب، ولكنها في بعض الأحيان اتكأت على نصين-كما في حالة على الجارم ومحمد فريد أبي حديد مثلا- ودرستهما معًا، والسبب في ذلك هو إبراز الملمح الفني أو الموضوع الذي ألح عليه الكاتب، واستنتاج بعض الظواهر أو الخصائص التي تميز الكاتب.
وقد حَرَصْتُ أن يكون أسلوب القراءة في هذه الدراسة واضحًا وبسيطا، وبعيدًا عن الثرثرة والترهل، والتنطع أيضًا، آملا بذلك أن أساعد القارئ على فهم النص وتذوقه، مبتعدا في الوقت نفسه عن أساليب رديئة طغت على لغة النقد الأدبي في أيامنا، اتسمت بالتعقيد والتعتيم، واهتمت بالتقاليع الغريبة التي تحوّل النص إلى مجموعة من المربعات والمثلثات والدوائر أو شبكة من الرسوم والخطوط لا يخرج منها القارئ بزاد، وإن خرج بإحساس من الندم والعجز لعدم فهم النص. كما قدمت استشهادات غزيرة، وطويلة في بعض الأحيان، ليعيش القارئ في الجوّ الفني للرواية- إن صح التعبير- وليلمس عن قرب أسلوب الكاتب وأداءه التعبيري. وتوقفت في أحيان كثيرة عند معجم الكاتب وألفاظه وجُمَله للكشف عن العلاقة بين لغة الكاتب وموضوعه، وهي ظاهرة، يَعْبُرها كثيرٌ من النقاد في أيامنا دون أن يلتفتوا إليها إلا نادرا، في حين أن الأمر في حقيقته يتعلق بالتشكيل اللغوي الذي يميز الفن الأدبي عن غيره من الفنون.
ويبقى أن أشير إلى أن فصولا من هذه الدراسة قد نشرت في دوريات علمية محكمة، وكان النشر- في حد ذاته- طاقة حفزتني على متابعة الدراسة وإنجازها. إقرأ المزيد