المصطلح الصوفي من التبين إلى التبيان
(0)    
المرتبة: 171,916
تاريخ النشر: 01/12/2022
الناشر: كنز ناشرون
نبذة الناشر:إذا سلمنا بأن البُعد الروحي في الدين الإلهيّ هو جوهره الأساس، وأن البُعد التشريعي خادم لروح الدين ومظهر له، يمكن القول بأن مَن سُمّوا ((الصوفية))، هم الباحثون عن ذلك الجوهر، إذ لم يقفوا عند المظهر الشرعي وحده، وإنما اتخذوه مركبا للعروج نحو المستوى الروحي، الذي هو حقيقة الإنسان نفسه، أو ...فطرته الشاهدة على الربوبية لله وحده. و لم يكن لهؤلاء القوم من وسيلة في ((طريقهم)) غير ((التبيُّن) امتثالاً للتوجيه الإلهي، فأدمنوا تدبّر آيات القرآن؛ وأمعنوا التفكّر في أنفسهم وفي الأكوان، حتى يَتَبَيّنَ لهم الحق.
لم يكن القصد من التجربة الصوفية عند أهلها إلا من أجل ((التحقّق» بمعاني القرآن ومقاصده، وهو تحقّقٌ يتجاوز الإدراك اللغويّ للخطاب، إلى وجدان معانيه الإلهية، أو حلولها في القلب، أو - كما قالوا-: الفهم عن الله في كلماته، وذلك بعد عملية تطهيرية شاقة، ومعاناة شديدة في البحث عن ((المعنى))؛ ومما يثير الدهشة، في بدائع اللغة العربية أن كلمة «العَنَاءُ) تدل على المشقة كما تدل أيضاً على معنى الكلام ومقصده؛ وهذا ما يؤكد أن المعاني الذوقية التي أشار إليها الصوفية، لم يصلوا إليها إلا بعد مجاهدة ومقاساة للمدلولات الأوّليّة لمفردات الشريعة وآدابها.
لذلك، فلا غرو أن تتوالد من رحم المعاناة الصوفية صيغٌ عربية متجدّدة تعكس ارتقاء المعاني عبر تلك المعاناة؛ إذ لمّا كانت تجربة القوم منبجسة من مفاهيم القرآن الكريم ومتطلِّبة لمقاصده، ومقتبسة من ألفاظه وعباراته، فإن اشتغالهم المستمرّ بالمفاهيم، وارتقاءهم المتوالي في المقاصد، قد أجّج في قلوبهم ما اقتبسوه، فجعلهم يولّدون اصطلاحات خاصة للتعبير عن نتائج ذلك الاشتغال والارتقاء، هي عبارة عن (تِبيانِ» وجداني لتلك النتائج؛ لذلك لم تكن هذه الاصطلاحات غريبة عن المنبع القرآني، بقدر ما كانت تفريعات لأصوله، ومستثمِرةً لإمكانات اللغة العربية، الصرفية والاشتقاقية، أيما استثمار.
يمكن أن يعتبر هذا الكتاب شهادة ميلاد للمصطلح الصوفي، وتأصيلاً للتجربة المُؤلِّدة له، وتوصيفا لبعض خصوصياته، مقارنة بنماذج من مصطلحات بعض المجالات المعرفية المشاركة لخطاب التصوف في كثير من قضايا الفكر والاعتقاد، كالفلسفة وعلم الكلام. إقرأ المزيد