تاريخ النشر: 08/04/2019
الناشر: مؤسسة الإنتشار العربي
نبذة نيل وفرات:" الوشاية التاسعة "
" سأحبك في كل الحيوات التي ستمر بها روحي ، هذه الحياة لن تكفي معك ، تأملت الصورة التي كتب خلفها هاتين الجملتين ، كأن مشاعرنا وقفت إلى جانب صورته هنا ، وروحه الدافئة تلفّ تفاصيل جسده ، من بين جميع الصور عندما أرى ...هذه الصورة أشعر بأن روحي تتجاوز الوقت الطويل الذي انقضى ، وتذهب إلى المكان نفسه ، وتلك الساعة عندما وقف أمامي لأوثق له هذه الصورة وهو يفيض سعادة كأنما يقترب من الجنة . في فوضى التساؤلات بقيت طويلاً بدون إجابة ؛ هل هي أرواحنا أم قلوبنا التي تملك الإحساس ؟ هل يقترب هو الآخر بروحه من كل تلك الأماكن التي أظل أقترب منها وأشعر بتلاشي الأزمنة عند النظر إليها ؟ هل أرواحنا تهيم بعيداً عن أجسادنا وتعود ؟ أم أنها مرهونة بهذه الأجساد فقط ؟ ربما مرت ساعة أو أكثر وأنا أنتظر بالقرب من الشاطئ ؛ مرّ عدد كبير من البشر أمامي ولكن حالة من العزلة عن المحيط وفقدان الحواس تتملكني رغم هذا الصخب حولي ؛ غريب هذا الشعور بالضياع الذي ينفيني داخل نفسي منذ وفاته : لم أعد أبتسم إلا لمشاهدة الأطفال وطريقتهم في المتعامل مع الأشياء ، وطهرون من زيف الحياة ، الطفل يبكي ويصرخ ويضحك ويتحدث ويركض بحرية دون أن يكترث لمن ينظر إليه ، يعيش كما يملي عليه صوته الداخلي ، لم تتشكل تلك الجبال من الحواجز والتقاليد والنفاق في نفسه بعد ، لعلها بدأت تتشكل ، ولكنها لم تعلُ بعد حتى يصعب اجتيازها ، أو تسلقها ، كم يحتاج الإنسان من وقت حتى يزيل هذه التشوهات من داخله ؟ جلست على كرسي قريب من ملعبهم حتى أخرج من انكفائي الذاتي وأجد ما يحفّز ابتسامة أو استدعاء شعور لطيف ؛ لعلي أريد أكثر ألا تعرفني بسرعة تلك المرأة التي أصررت على لقائها هنا ، ولست أثق أيضاً إذا كنت أريد ملاقاتها ، متأكدة فقط من عدم رغبتها في هذا الموعد لكنها قبلت ذلك ؛ وها أنا هنا ، أشغلتني التخيلات المؤلمة أياماً وليالي ، عقلي يرسم صوراً لشكلها ؛ طولها ، لونها ، ملامح جسدها ؛ شعرها ؛ كيف تفكر وتتحدث ؟ كيف تلبس ؟ هل تشبهني ؟ غير منطقي أن يفعل ذلك ! لا بد أنه أراد تجديد ؛ لعلها كانت صدمة أو قدراً أخرجه من ملل الحياة الزوجية والروتين . لم يشعرني يوماً بأن الحب بيننا قد صار جزءاً من الحياة العادية ؛ يشبه الأكل أو الشرب .. لم يشعرني قط ؛ يبدو أنه كان يحسن مداراة مشاعر الضجر . الشعور بالخيانة من شخص غير موجود إحساس يصيب بكل أنواع اليأس والخيبة ، فلا شيء يبقى منه ليجيب عن أسئلتي ، أو يتلقى غضبي أو عتبي ، حتى بكاء الحزن على فراقه ميّتاً لم يكن مثل هذا الألم ، تركني أعيش صدمتين ؛ فراقاً مستعجلاً ، وخيانة اكتشفتها بعد موته . قلت لها أنني سأنتظرها على المقاعد المقابلة للبحر أمام متجر صغير ؛ جلست هناك عدة دقائق ثم راعني الإحساس الذي أصابني ، عاصفة متناقضة من المشاعر .. وقررت أن أراها من بعيد أولاً ، ثم أستجمع شجاعتي إن استطعت وأذهب إليها ؛ أريد ردّ اعتبار أو إقراراً بالذنب ، أو محاسبة على سرقة ما يخصني .. بعد نصف ساعة جلست امرأة على المقعد الذي تركته بتردد ، تتلفت كثيراً حولها ، .. نظرت إليها من خلف نظارتي الشمسية ، الحقيقة لا تشبه الخيال ، لم تهمني تفاصيل وجهها كثيراً تلك اللحظة ، تخيلت أكثر كيف كان يجلس معها ..... تذكرت الحب الذي صُلينا في محاريبه عشرين عاماً والأبناء ، وبيتنا .. فلم أجرؤ على الوقوف والذهاب إليها ، هدأت عاصفة المشاعر ؛ أحسست بالذنب تجاه نفسي . وقفت من مكاني ، فنظرت إليّ بتركيز ، ثم وقفت من مقعدها ؛ أدرت ظهري لها ومشيت نحو سيارتي ؛ ستكون من الآن ماضياً مثل كل ما لن يعود ، سأتلف جهازه الذي قرأت فيه رسائل الحب بينهما ، سأنظف الذكرى من الوهم والتزييف الذي نحسها ، وأعيش مع الحاضر الذي يحملني ، وتحميني ذكرى حبي ووفائي له ؛ في هذه اللحظة عادت إليّ روحي من مكان لا أعرفه ؛ لكنني أظنها كانت تتطهر قبل أن أعيش مرة أخرى [ ... ] . سرديات ومناخات تحث القارىء على الوقوف على أرض الواقع .. والدنو أكثر وأكثر من تصاريف الدهر ، والوقوف على مقربة من هواجس النفس الإنسانية .. بسموها ودنوها .. بضعفها وقوتها ... هي قصص الحياة بتفاصيلها الدقيقة ترويها الكاتبة .. وكأنها استطاعت الوقوف على أعتاب حكايات عدد من الأشخاص .. وقررت الوشاية بهم .. وما يشي بذلك تلك الموضوعية والمصداقية .. أضف مسحة الواقعية وذلك من خلال أسلوب سلس .. ومعاني أكسبت الحكايات شفافية تستحوذ على المشاعر والأحاسيس . إقرأ المزيد