تاريخ النشر: 01/12/2008
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع
مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوعين
نبذة نيل وفرات:كان القارئ الأميركي العادي، قبل نحو نصف قرن، أو الطالب في أي من جامعات أميركا، إذا تناول كتاب "الأمير" لمكيافللي فإنما يتناوله بدافع الفضول ليس إلا، فقد باتَ هذا الكتاب بالنسبة إليه، من الكتب التي طوتها صفحة الزمن، لا سيما وإن عنوان هذا الكتاب يستفزه على إتخاذ هذا الموقف. ...إذ إن عهد الملوك والأمراء كان قد ولَّى، او في الطريق إلى الزوال. وهو يعرف أيضاً أن موضوع هذا الكتاب قد دُوِّن في فترة أسماها أعظم مؤخري عصر النهضة من الإنكليز، وهو سيموندز بـ"عهد الطغاة"، وكان المعروف والشائع عن مكيافللي نفسه، أن سمعته موضع الطعن والشبهات، لا سيما وقد غدت المكيافللية نعتاً يجمع من المعاني ما تحمله كلمة الشيطان مفيستوفاليس في رواية "فاوست" المشهورة. وقد كتب ماكولي، الكاتب الإنكليزي المشهور مقالاً، ضمّنه فكرة تقول إن الشيطان قد أسمي بـ"نيك العجوز" لأن نقولا، هو الإسم الأول لمكيافللي.
ومن الحق أن يقال إن الكتاب القيّم هو كالإكتشاف العلمي السليم، يمكن أن يوضع للإستعمال البشري، في صورة الإكراه والإلزام، دون أن يبطل الإلزام حقيقته الأساسية، وحتى إذا أسفر البحث الذي لا تحيز فيه، عن الكشف بأن القابضين على ناصية السلطان في الدول الديمقراطية، كدولتنا مثلاً، في هذا العصر، من عدم الإستقرار، كثيراً ما يستخدمون طرقاً، كنا نصمها في الماضي بـ"المكيافللية" فإن هذا الكشف، لا يجدي فتيلاً وكل ما يهمنا هنا، بصورة رئيسية، هو البحث عن حالة خطيرة من التوتر في ثقافتنا الراهنة، وليس في وسع إنسان من أبناء هذا القرن، أن ينكر وصول زعماء سياسيين حديثيين إلى السلطة من أمثال لينين وستالين وموسوليني وهتلر الذين أعلنوا أحياناً بصراحة، دون أن يخفوا شيئاً، إيمانهم بأن الخلاص لا يأتي إلا عن طريق تزايد قوة الدولة النامية، وليس في وسع إنسان من الناحية الأخرى أن يتجاهل رغبة عارمة، لدى العديد من الأوساط، لخلق ما أسماه ويندل ويلكي بالعالم الواحد. وليست الأمم المتحدة إلا محاولة تنطوي على العزم والتصميم لخلق "دولة فوق الدول" يتطلب نجاحها أن يكون في حوزتها نوع من السلطان، الذي يُستخدم من أجل السلام والخير الإنساني.
وتمتد جذور كتاب مكيافللي عميقاً، في تاريخ الفترة التي عاش فيها، إذ أنه لم يكن من الناحية الأولى كاتباً، أو صاحب نظريات، بل كان مشتركاً إشتراكاً فعلياً في الحياة السياسية المضطربة وغير المستقرة، التي مرّت بمدينة فلورنسا.
وُلد مكيافللي في فلورنسا عام 1469 من أسرة توسكانية عريقة، وكان أحد أسلافه قد عارض معارضة فعالة في وصول المتمولين من أبناء أسرة مديشي إلى الحكم في المدينة، فقضى نحبه في السجن من جراء معارضته، وقد أقام المديشيون حكماً إستبدادياً، من النوع اللين نسبياً، إذ حافظوا على الأنظمة الجمهورية القديمة، في الوقت الذي أمسكوا فيه بأيديهم زمام الحكم الحقيقي. ولم يكن المكيافلليون موالين لأسرة مديشي، فقد كان والد نيقولا (نيكولو)، محامياً بارزاً، وكان كوالده من غلاة الداعين إلى الجمهورية، ولم يتوفر لنا إلا القليل عن دراسة مكيافللي الشاب في صباه، ولكن في وسعنا، أن نفترض أنه تثقف ثقافة مأثورة كغيره من أبناء عصره، فعثر على مُثُله العليا في تاريخ الرومان، وقرأ الترجمات اللاتينية، لمختلف الكتب الإغريقية القديمة.
وشبّ ميكافللي في عهد الأمير المديشي، الذي أطلق عليه الفلورنسيون اسم "لورنزو العظيم"، والذي اعتبروا عهده بالعصر الذهبي للنهضة الإيطالية. وكان لورنزو أديباً مأثوراً وشاعراً، فشمل برعايته الفنانين والأدباء، وأهل العلم. وإليه يرجع الفضل في حفظ التوازن في القوى بين الوحدات الرئيسية الخمس للسلطات في إيطاليا، وهي مملكة نابولي، والدولة البابوية في روما، والبندقية، وفلورنسا وميلان. ومن الواجب أن نذكر، أنه في فترة حكمه بين عامي 1469 و 1492، اغتيل أخوه وأصيب هو نفسه بجراح، إثر مؤامرة قامت بها إحدى الفئات المعارضة المنافسة، وأن نضيف إلى ذلك، أن هذه الوحدات الخمس نفسها لم تكن مستقرة. فهي في حالة إشتباك دائم مع المدن الصغيرة، كفلورنسا مثلاً، التي قادتها اشتباكاتها المستمرة مع بيزا إلى ما يشبه الحرب الصريحة المعلنة. وكان توازن القوى تبعاً لذلك، على درجة من التبدل والغرابة، حتى أن متتبعاً ذكياً كمكيافللي لم يكن في وسعه أن يتجاهل عثور مدينته على حل لمشاكلها السياسية. ومات لورنزو عام 1492، واضطر خلفه بييرو إلى الخروج منفياً بعد عامين، عندما تعرضت المدينة لغزو جديد جاءها على أيديي شارل الثامن ملك فرنسا. وظهر راهب دومينيكاني اسمه سافونارولا، قام بإصلاح الجمهورية ونجح في إقامة حكومة ثيوقراطية دينية، ما لبثت أن إنهارت، فأُعدم الراهب وأُحرقت جثته عام 1498. وانتُخب مكيافللي بعد بضعة أشهر، سكرتيراً للمستشارية الثانية لجمهورية فلورنسا، التي تشرف على الشؤون الخارجية والعسكرية. وأضحى من واضعي السياسة ومخططيها، حتى أنه اختير في أربع وعشرين بعثة دبلوماسية، بينها أربع لملك فرنسا، وعدة بعثات لروما، وواحدة إلى الإمبراطور مكسميليان. ووقع تطور جديد في المنظر السياسي، بعد أن قضى ميكافللي ثلاثة عشر عاماً في الحكم، فجاء الجيش الفرنسي من جديد إلى فلورنسا، واضطر أهلها تحت ضغط الفزع والخوف، إلى استدعاء آل مديشي، وخرج مكيافللي بدوره منفياً من مدينته.
كان ميكافللي خادماً أميناً مخلصاً، وكفؤاً للجمهورية، وقضت عليه أوضاع المنفى أن يعيش بعيداً عن فلورنسا، معتمداً في إعالته على دخل متواضع يجيئه من ممتلكات صغيرة، كانت له في ضواحي المدينة. وقد وصف هذا الإنقلاب في طالعه، في رسالة بعث بها إلى صديقه فيتوري قال فيها: "ما زلت أعيش في الريف منذ خروجي إلى المنفى. أستيقظ مبكراً عند الفجر وأمضي إلى الغابة الصغيرة، لأرى ما قام به الحطابون من عمل". وبعد أن يتبادل الأقاويل والشائعات مع الحطابين، يمضي وحيداً إلى أحد التلال، حيث يقرأ دانتي أو شيراك أو تبيولوس أو أوفيد. وبعد أن يتناول غداءه البسيط، يمضي إلى الحانة حيث يتحدث إلى الطحان وصحاب الحانة، والقصّاب، وبعض عُمّال البناء، ويقضي معهم طيلة بعد الظهر في لعب الورق، والنرد، "نتقاتل على الدريهمات. وعندما يحل المساء أعود إلى البيت، وأدخل إلى المكتبة، بعد أن أنزع عني ملابسي الريفية التي غطتها الوحول، ثم أرتدي ملابس البلاط والتشريعات وأبدو في صورة أنيقة، وأدخل إلى المكتبة، لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذي يملأون كتبها، فيقابلونني بالترحاب، وأتغذى على ذلك الغذاء، الذي هو الحقيقة ما أعيش عليه، والذي جعل مني الإنسان، الذي هو أنا، وفي وسعي أن أتحدث إليهم وأن أوجه إليهم الأسئلة عن أسباب أعمالهم، فيتلطفون عليّ بالإجابة. إنني لم أعد أخشى الموت أو العوز... وقد تمكنت بالملاحظات التي دوّنتها من أن أضع كتاباً صغيراً أسميته (الأمير)".
واعتزم مكيافللي، إهداء كتابه هذا، إلى أحد أفراد أسرة مديشي، آملاً بذلك أن يدعوه المديشيون للعودة إلى الخدمة العامة، والجاه والمنصب. وكتب بالفعل كتاباً ضمنه الإهداء، إلى لورنزو الجديد، ولكن من المشكوك فيه قطعاً أن يكون هذا الكتاب، قد قُدِّم بالفعل إلى لورنزو قبل وفاته عام 1519. والشيء الأكيد الثابت، أن كتاب "الأمير" قد وُزِّع على شكل مخطوط ونسخ مرات عدة، ولكنه لم يُطبع إلا بعد خمس سنوات من وفاة مكيافللي عام 1532.
هذا ولا يضم كتاب "الأمير"، جميع آراء مكيافللي السياسة، إذ اقتصر على بحث أكثر مشاكل إيطاليا حدة، وإلى الحديث عن تخلفها في التنظيم السياسي، والقوة العسكرية، عن الدول المجاورة لها، كإسبانيا وفرنسا، وكان هذا الحديث موجهاً إلى الأمراء، من أمثال أسرة مديشي الذين ظهر إسمهم في الأهداء. ولعل عدم إقدامه على طبعه في حياته على الرغم من نسخه وبروز اسمه عليه، خير برهان، على ما سبق لنا قوله. وعلينا أن لا تعرونا الدهشة من تذكر الحقيقة الواقعة، وهي أن الكتاب غداً مرجعاً لكل طامح في السيطرة السياسية، كما غدا كتاباً مقروءاً، يدرسه المثاليون والمغامرون السياسيون، على حدٍّ سواء، في القرن العشرين عندما أصبحت الدول القومية عرضة لفترة من عدم الإستقرار. ولعل من سوء حظ سمعة مكيافللي، أن هذا الكتاب بالذات قد طغى على جميع مؤلفاته، وأضحى المؤلف الوحيد الذي تستند إليه سمعته. إقرأ المزيد