العراق من الاحتلال إلى التحرير
(0)    
المرتبة: 88,429
تاريخ النشر: 01/12/2006
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
نبذة نيل وفرات:لهذه النصوص -التي يحتويها الكتاب- أكثر من قيمة تبرر قراءتها. أولاها أهمية الخطاب الذي تحمله من موقع وطني عراقي. خطاب يلتزم قضية الوطن، ويلتزم خيار التعبير الشجاع عن الموقف الوطني منها في لحظة حرجة ومفصلية من تاريخ العراق الحديث: لحظة امتدت تأثيراتها عميقاً في نسيج المجتمع العراقي، وتضع اليوم ...مصيره الوطني أمام امتحان تاريخي عسير. لكن هذا الخطاب ليس سياسياً بالمعنى الحرفي لأن صاحبه يأبى له أن يكون كذلك، بل يأبى أن ترتبط الصفة (السياسية) بدوره كرجل آثر أن يبتعد عنها في لحظة معلومة:
بعد خروجه من السجن بأربع سنوات، نصح د. خير الدين حسيب بمغادرة العراق لأن ثمة من ضاقت صدورهم بوجوده فيه. كان صدام حسين: نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، حينها، من قدم النصيحة. وحين غادر بغداد، قطع على نفسه عهداً بأن لا يمارس أي عمل حزبي أو يتقلد منصباً في السلطة، وأن يتفرغ للعمل العلمي. وظل وفياً لما عاهد نفسه عليه حين أسس: بمعية جمع من رفاقه، مركز دراسات الوحدة العربية ملتزماً الأخلاق الأكاديمية في رؤية قضايا الأمة، وحين أسس المؤتمر القومي العربي -وكان أول أمين عام له- دافعاً به بعيداً عن التمثيل الحزبي أو عن التطلع إلى الصيرورة تجمعاً حزبياً جديداً. وإذ يعبر -في هذا الكتاب- عما عبر عنه من آراء سياسية، فليس يبرح الموقع الذي اختاره لنفسه منذ ثلاثين عاماً. سيقال: أليس في ذلك دليل على أنه عاد إلى العمل السياسي من جديد؟ الجواب بالنفي قطعاً، فما كل قول في السياسة سياسي، وما كل قول سياسي حزبي أو قرينة شأناً مخصوصاً لأهل السياسة والعمل السياسي. لنقل إذاً إنه موقف وطني، وهذا ليس شأناً مخصوصاً لأهل السياسة والعمل السياسي من دون سواهم، فهو حق مشاع لسائر المواطنين وبخاصة حين تتهدد الوطن نائبة من النوائب.
ولقد تهددت العراق نائبة كبرى، بل وقعت عليه وقع الطامة الشديدة، منذ العدوان الأمريكي-الأطلسي عليه في العام 1991 وحتى احتلال حاضرة دولته بغداد في 9 نيسان/إبريل 2003. لم يكن تفصيلاً ما جرى للعراق في امتداد جرائم الحصار والحرب والاحتلال. دمرت مكتسباته الصناعية والعلمية والاقتصادية، وقتل ما يربو على المليونين من أبنائه، وأبيدت بيئته وشروط الحياة فيه لأجيال قادمة، وانتهبت ثرواته، واستبيحت سيادته، وفككت دولته، ومزق نسيجه الاجتماعي، وبات مصيره الوطني قاب قوسين أو أدنى من السقوط. وإذا كان د.حسيب قد جهر بموقفه الوطني من كل هذه المسائل جهراً قد يظنه بعض في باب السياسة والصراع والتنافس، فجهره به إنما كان من باب الواجب الوطني الذي هو فرض عين على كل مواطن عراقي يتعرض مصير وطنه للتبديد، فكيف إذا كان القائم به رجل مثل خير الدين حسيب، وهو من هو في تاريخ العراق المعاصر.
سبب ثان يبرر قول د.حسيب ما قاله في هذا الكتاب يضاف إلى حقه الشخصي كمواطن وإلى واجبه الوطني كعراقي هو: حق العراقيين عليه في أن يعرفوا رأيه في مسائل كبرى تتعلق بالمصير الوطني. هو حق لهم عليه لأنه ليس مجرد أكاديمي ورجل دولة تقلد يوماً مهمات حساسة في التخطيط وإدارة الاقتصادية الوطني فحسب، بل هو -فضلاً عن ذلك- واحد من رجالات الحركة الوطنية العراقية الكبار في العقود الأربعة الأخيرة يحظى باحترام كبير لدى قطاعات واسعة من المجتمع العراقي، ورأيه -لذلك السبب- موضع انتباه وعناية. إن تجربته في العمل السياسي في الستينيات، كناصري، من خلال "الحركة الاشتراكية العربية"، ثم من خلال حزب "الطليعة العربية" الذي أسسه الرئيس جمال عبد الناصر -وكان في جملة من أسسوا فرعه في العراق، ثم مسؤولاً عنه- وعلاقته بالتيار القومي الذي سيطر في السلطة في العراق منذ العام 1963، ثم علاقته المباشرة بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومعارضته لانفراد "حزب البعث" بالسلطة بعد 30 تموز/يوليو 1968، واهتمام الرئيس صدام حسين -على ما بينهما من تباينات في الموقف- بمعرفة رأيه في الشؤون العراقية والقومية، وسعيه في جسر الاختلاف بين العراق وسورية (إبان حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد)...، كانت جميعها سبباً في طلب عراقي متزايد على رأيه في سنوات العراق الحرجة، وفي ظروف عزت فيها الشخصيات الوطنية التي يمكن الاطمئنان إلى رأيها وموقفها في الظلمة الظلماء.
من يبحث عن تنظير أو مقاربة فكرية في هذا الكتاب، فلن يجدهما، وله إن أراد أن يتعرف على خير الدين الأكاديمي أن يعود إلى كتبه ودراساته الاقتصادية. أما هنا، فالقول سياسي في المقام الأول. وليس معنى ذلك أنه حزمة من مواقف سياسية مباشرة ومتراصفة، وإنما يأتي القول الحامل للموقف السياسي: الوطني والقومي، في ركاب رؤية وتحليل يمنحانه طعماً خاصاً مختلفاً، فأنت لا تستطيع أن تقرأ مادة هذا الكتاب من دون أن تستوقفك فيه الخلفية الثقافية لصاحبه. تلحظها من خلال ملمحين يسمان حديثه ويغلبان عليه:
الملمح الأول ما يمكن تعيينه بالمتابعة اليقظة أو المتيقظة لما يجري في العراق وفي المحيطين العربي والإقليمي وفي النظام الدولي من سريع الأحداث والتحولات. كأي باحث رصين يسكنه هاجس المعرفة، وكأي مناضل ملتزم يغمره الشعور بالمسؤولية، ينغمس د.حسيب في قراءة ما يحصل على سطح هذا العالم. يبالغ أحياناً في الذهاب بعيداً في التفاصيل، يبحث عن المعلومة كأنه يبحث عن الجواهر النفيسة. الحدث عنده ليس وحدة مغلقة ميتافيزيقية: له ما قبله وله ما بعده. وهو (الحدث نعني) ليس منفصلاً عما يحيط به، بل شديد الصلة به. يتابعه كما المحقق يتابع هيوط الصلة بين الحوادث ومن ارتبطت بهم. وفي هذه المتابعة، يعرض الرجل أمام ناظريه كل ما يفترض أنه على علاقة ما بما يجري: السياسة الأمريكية، السياسة العربية، السياسات الإقليمية، النفط، الصراع العربي-الإسرائيلي، توازنات القوى الاقتصادية الدولية، صراع الاستراتيجيات الكبرى على الإقليم، صورة المنطقة في منظار مصالح كل فريق، المشروع القومي أو ما بقي منه، "الإسلام السياسي"... الخ، ومن تلك الحوادث والأطراف والقوى ينسج خيوط الترابط والتمفصل كي يعيد إدراك الوقائع في سياقاتها، وكي يفهم الأهداف التي رامها صانعو تلك الحوادث، والغايات التي تقف خلف سياساتهم. وعندنا أن قارئ هذه النصوص لا شك واجد فيها شيئاً كثيراً من هذا النفس: يعيد تنظيم حوادث العراق في وعيه على نحو أكثر وضوحاً.
أما الملمح الثاني، فيمكن تعيينه بروح الممارسة والاستشراف التي تسكن الكتاب وتسكن تفكير د.خير الدين عموماً. تبدأ هذه الروح عنده بكلمة لا تكاد تبارحه ولا يكاد يذهل عنها هي: ما العمل؟ لتنتهي بالمغامرة المعرفية في وضع سيناريوهات للمستقبل للتفكير من داخلها في ذلك المستقبل. الرجل في جملة قلة قليلة تفكر في الشأن العام وهي مسلحة بمفردة "ما العمل؟". إنها نزعة البراكسيس التي تحدث عنها أنطونيو غرامشي. لا يكفي التحليل، لا يكفي الفهم، لا بد من عمل يرد، يصحح، يغير. من جوف هذه العقيدة في الممارسة خرجت المنظمة العربية لحقوق الإنسان مثلاً: الأكاديمية الملتزمة تقتضي أن تخرج المعرفة من حيز العقل إلى رحال الممارسة، أن تنتقل من النص إلى المؤسسة، من النخبة إلى الناس. ثم إن د.حسيب في جملة قلة قليلة أدركت مبكراً القيمة الحيوية لفكرة الاستشراف واهتمت بإطلاق تجربة الدراسات المستقبلية في الفكر العربي. وكثيراً ما ردد-دفاعاً منه عن فكرة الاستشراف- بأن التاريخ أو المستقبل ليس قدراً، ليس حتمية عمياء موضوعية أو منفلتة من عقال الإرادة الإنسانية، بل هو قابل لأن يبنى بمقتضى الفعالية الإنسانية الواعية. إن المستقبل يحمل بدائل مختلفة وبعضها أفضل من البعض الآخر وإن اختيار هذا المستقبل أو ذاك يتوقف على إرادة صنعه، وعلى القدرة على صنعه، ثم على الثمن الذي ينبغي دفعه في هذه الحال أو تلك من حالات المستقبل. لذلك، فالمستقبل عنده قابل لأن يقرأ من مدخل السيناريوهات أو المشاهد المفترضة. والرجل الذي رعى مشروعاً علمياً، هو الأول من نوعه في الفكر العربي، لاستشراف المستقبل العربي، يجرب اليوم -في هذا الكتاب- أن يستأنف النظر إلى مستقبل العراق بذات أدوات الاستشراف التي خبرها منذ عقدين. إقرأ المزيد