نبذة النيل والفرات:
"كعادته عند زيارة لندن، يحرص أن يكون موجوداً في "الهايد بارك" يوم الأحد. إنه يوم الخطباء.. حيث يستطيع أي خطيب أن يقول ما يشار بدون خطوط حمراء. حتى لو كان كلامه ضد جلالة الملكة شخصياً. لا يوجد مكان آخر في العالم ينافس "الهايد بارك" في حرية الكلمة. في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم أحد خريفي بارد وغائم وصل إلى ركن الخطباء في "الهايد بارك" ومعه مظلته وكوب ساخن من القهوة مخلوطة بقليل من الحليب وبدون سكر. كان ثمة بعض الخطباء تحلق الناس حول كل منهم على شكل نصف دائرة.
انضم إلى حلقة خطيب أسود نصراني من جامايكا اسمه إسماعيل يلتف حوله أكثر الناس. اعتاد على رؤية إسماعيل ذي الشعر المنفوش في زياراته السابقة. كان إسماعيل يقف فوق صندوق من الخشب، ويتحدث -كعادته- بانفعال شديد وبصوت قوي عن ازدواجية المعايير لدى أمريكا وتابعتها بريطانيا، والظلم الفادح الذي ترتكبانه في حق شعوب العالم خاصة في عهد الرئيس المعتوه جورج دبليو بوش والدمية توني بلير.. كما وصفهما. رفع إسماعيل من نبرة صوته قائلاً: هل سمعتم ما قاله كوفي أنان قبل أيام؟! لقد وصف احتلال أمريكا للعراق بأنه غير قانوني! No Shit لقد استغرق اكتشاف هذه الحقيقة الناصعة من هذا المغفل ثمانية عشر شهراً! هل عرفتم الآن لماذا طردوا بطرس بطرس غالي؟! نريد بطرس بطرس غالي! إنني أشعر بالخجل لكون لون جلدي أسود مثل كوفي أنان!
احتج شخص على كلام إسماعيل، ودخل معه في نقاش موضوعي مثير عن دكتاتورية صدام. توجه إلى دائرة أخرى يوجد فيها باكستاني أصلع اسمه خان يخطب منذ سنوات حول موضوع واحد فقط هو الجنس...
غادر حلقة خان، ولاحظ وجود رجل بريطاني طالما رآه يقف صامتاً ويحمل لوحة مكتوب عليها: "سوف تزداد الأمور سواءاً". أجاب الرجل ببرود أهل بريطانيا المعهود: ليس مهما أن نعرف، ولكن من المؤكد أن الأمور سوف تزداد سوءاً!
ضحك، ثم انضم إلى مجموعة صغيرة يخطب فيها شاب بريطاني يدعو إلى تحويل المملكة المتحدة إلى جمهورية. كان الشاب يقول بحزم: نعم أيها الناس.. يجب أن نتخلص من العائلة الحاكمة. أوووه اللعنة.. إنهم يكلفوننا نحن دافعي الضرائب بلايين الجنيهات بدون أية فائدة. يجب أن تتحول إنجلترا إلى جمهورية، وتستقل كل من ويلز وإيرالندا واسكتلندا. نحن إنجليز ونريد بلدنا جمهورية إنجليزية فقط. كان الناس يناقشون الشاب بمرح حول أسباب هذا الموقف".
بأسلوب بسيط لاذع يعرض "حمد العيسى" الأفكار متحدثاً عن هموم شعبه العربي وقضاياه ومقتفياً آثار الساسة والحكام، ومنتقداً كل ما يكتبون أو يصدرون من أوامر أو قرارات، وذلك عبر نصوص كان قد خطها كمقالات تم نشرها بين سنة 2002 و2005 في بعض الصحف العربية منها صحيفة "الطليعة" الكويتية، وجريدة "القاهرة" المصرية، وجريدة "إيلاف" الإلكترونية، ومجلة "رواق" الكويتية وغيرها...